تواجه بريطانيا مخاطر اقتصادية متزايدة تفوق نظيراتها في أوروبا والولايات المتحدة. نتيجة التوترات الجيوسياسية الحالية في الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي كانت فيه معدلات التضخم البريطانية تبدو في طريقها نحو الاستقرار، أعادت أزمة الطاقة الحالية إثارة المخاوف من موجة غلاء جديدة. مما دفع تكاليف الاقتراض الحكومي للارتفاع الحاد.
هذا الأسبوع، قفزت أسعار الغاز بالجملة في بريطانيا بنحو 70 في المائة، مع توقف شحنات الطاقة عبر مضيق هرمز. وتوقف قطر - التي تُزوّد العالم بخُمس الغاز الطبيعي المُسال - عن الإنتاج. ويأتي نحو 1 في المائة فقط من إمدادات الغاز في بريطانيا من قطر، لكن هذا الاضطراب أدّى إلى ارتفاع الأسعار عالمياً، وفق "رويترز".
تكمن الأزمة في طبيعة اعتماد الاقتصاد البريطاني على الغاز؛ إذ يُستمد نحو 30 في المائة من كهرباء بريطانيا من محطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز، مقارنةً بـ17 في المائة بألمانيا و3 في المائة فقط بفرنسا. وهو ما يترك الاقتصاد البريطاني بلا "وسادة أمان" حقيقية في مواجهة انقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز.
أزمة الغاز وتأثيرها على الأسر البريطانية
كما أن الغاز يُستخدم للتدفئة في أكثر من 70 في المائة من المنازل. وتُحدد أسعار الكهرباء عادةً بناءً على سعر الغاز، وهو أغلى من الطاقة المُولدة من مصادر متجددة. وتزيد هذه الهشاشة غياب استراتيجية وطنية للتخزين؛ حيث لا تمتلك المملكة المتحدة سوى مخزون يكفي لنحو 12 يوماً من الطلب، مقارنة بـ90 يوماً في ألمانيا وأكثر من 100 يوم في فرنسا.
وعلى عكس الاتحاد الأوروبي، لا تملك بريطانيا هدفاً لتخزين الغاز، وهو الهدف الذي حدده الاتحاد الأوروبي بعد أزمة الطاقة الناجمة عن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. ويُمثل موقع تخزين الغاز قبالة سواحل شمال إنجلترا، المملوك لشركة "سينتريكا"، نحو نصف سعة تخزين الغاز في البلاد، إلا أن العمليات توقفت العام الماضي.
لن ترتفع فواتير الطاقة المنزلية حالياً، لأن أسعار الغاز في بريطانيا تخضع لسقف ربع سنوي من قبل هيئة تنظيم الطاقة. وستنخفض الأسعار في أبريل، بعد أن حوّلت الحكومة بعض الرسوم إلى الضرائب العامة. لكن "فترة المراقبة" التي تحددها هيئة تنظيم الطاقة لتحديد الأسعار ستشمل الارتفاع الحالي في الأسعار، حيث تمتد من 18 فبراير إلى 18 مايو.
التضخم وتأثيره على الاقتصاد البريطاني
يواجه الاقتصاد البريطاني تحدياً هيكلياً؛ فبينما يمثل الوقود والمرافق جزءاً أصغر من "سلة التضخم" مقارنة بمنطقة اليورو، فإن أثر الصدمة قد يكون أكثر ديمومة. فالتضخم في بريطانيا تراجع بوتيرة أبطأ من دول أخرى بعد ذروة 2022، مما يعني أن أي صدمة جديدة قد تترسخ في الأجور والأسعار بسهولة أكبر.
هذا الوضع يضع الحكومة وبنك إنجلترا أمام مأزق؛ فالتدخل الحكومي ببرامج دعم واسعة النطاق بات يصطدم اليوم بضرورة إصلاح المالية العامة. وفي الوقت نفسه، يضطر بنك إنجلترا إلى التريث في خفض أسعار الفائدة، حيث تراجعت احتمالية خفض الفائدة هذا العام إلى مستويات متساوية.
يجد صانعو السياسات بلندن أنفسهم في وضع لا يُحسدون عليه؛ فإذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع، فسيتعين على وزير الخزانة رايتشل ريفز الاختيار بين تحمل أعباء جديدة ترهق ميزانية الدولة أو ترك المواطنين والشركات يواجهون الصدمة بمفردهم.

