مراكش- داخل ورشة صغيرة في أزقة المدينة القديمة بمراكش. تتناثر قطع قصدير لامعة وألواح زجاج ملون بأحجام مختلفة. بينما ينهمك صانع أربعيني في تشكيل قطعة معدنية صغيرة. يطرقها برفق ثم يضغطها بين أصابعه قبل أن يثبتها بدقة في هيكل فانوس لم يكتمل بعد.
تمتزج رائحة المعدن بعبق اللحام الخفيف. فيما ينبعث من مذياع قديم صوت تمثيلية رمضانية يعاد بثها كل عام. في مشهد يختلط فيه العمل اليدوي بذاكرة الشهر الكريم.
إلى جانب الصانع يقف عبد السلام، وهو تاجر متجول في بداية الثلاثينيات. يراقب خطوات العمل باهتمام. يمسك فانوسا صغيرا ويرفعه نحو الضوء ليفحص انعكاس الزجاج الملون على جوانبه.
بداية الحكاية.
ترتبط علاقة عبد السلام بهذه الورشة منذ نحو سبع سنوات. منذ أن بدأ يبيع الفوانيس للمقاهي والمطاعم خلال شهر رمضان. ومع مرور الوقت، أصبح يعرف تفاصيل هذه الحرفة كما يعرفها أصحابها.
قال عبد السلام: "حين أرى الضوء يمر عبر الزجاج بهذه الطريقة أعرف أن القطعة نجحت. الزبائن غالبا يقررون الشراء بعد أن يروا الفانوس مضاء. فالضوء هو أفضل بائع".
لم يبدأ عبد السلام عمله بتجارة الفوانيس، فقد جرّب قبل ذلك بيع سلع مختلفة. قبل أن يكتشف عالم هذه الحرفة القائمة على المعدن والزجاج. ومع الوقت تعلّم كيف تتحول قطعة قصدير بسيطة إلى فانوس يبعث الضوء بألوان متعددة.
حسابات صغيرة.
قال عبد السلام -وهو يراقب الصانع يثبت قطعة جديدة في مكانها- "رمضان هو موسم الضوء. والناس تريد شيئا مختلفا عن بقية أيام السنة".
لكن صناعة الفانوس ليست عملية سريعة كما قد تبدو. تبدأ الرحلة بورقة معدنية رقيقة تُقص وفق قياسات دقيقة. ثم تُرسم عليها الزخارف قبل أن تبدأ عملية التخريم والتشكيل التي تنتج رسوما هندسية معقدة. بعد ذلك تُطلى القطع بمواد خاصة للحفاظ على بريقها. ثم يُثبّت الزجاج المعشق قطعة قطعة داخل الهيكل المعدني.
وفي كل مرة يحاول عبد السلام أن يجرب هذه الخطوات بنفسه. واضعا لمساته الخاصة رغم أن إتقانها يحتاج إلى خبرة طويلة. ويقول وهو يقلب قطعة زجاج خضراء بين أصابعه: "التفاصيل الصغيرة هي التي تحدد جودة الفانوس وثمنه في السوق".
الضوء يجذب السياح.
يتحفظ الصانع الأربعيني عن ذكر عدد القطع التي ينجزها يوميا. مكتفياً بالقول: "كل يوم ورزقه". فالإنتاج يختلف حسب حجم الفانوس وتعقيد زخرفته وطلبات الزبائن.
أما عبد السلام فيقول إنه يبيع عادة ما بين 5 و 10 قطع في الليلة الواحدة خلال موسم رمضان.
وتبدأ تكلفة القطعة الواحدة من نحو 25 درهماً مغربياً (2.5 دولارات). وقد تصل إلى 500 درهم (50 دولارا) أو أكثر عندما يكون الفانوس أكبر حجما أو يحتوي على زخارف وزجاج أكثر تعقيداً. بعد ذلك يأتي هامش الربح الذي يتقاسمه الصانع والتاجر، ويتراوح غالباً بين 10% و50% بحسب مهارة التفاوض وحركة البيع في السوق.
حرفة تتجدد.
يقول عبد السلام وهو يرتب بعض القطع في حقيبته: "البيع يحتاج قليلاً من الحظ… وأحيانا كثيرا من الصبر".
بالنسبة للصانع، لا تُقاس قيمة الفانوس بالأرقام فقط. فكل قطعة تحمل ساعات طويلة من العمل اليدوي. تبدأ بالرسم والتخريم. ثم اللحام والتلميع. وحين تُشعل القطعة للمرة الأولى يشعر بأن الجهد كله تحوّل إلى نور.
في أحد الممرات السياحية داخل المدينة القديمة، يضع البائع عبد الواحد فوانيسه على الأرض ويشعل بعضها مع حلول المساء. وحين تمر مجموعات من السياح، يلفت الضوء الملون انتباههم سريعا.

