تتوسع تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران على أسواق الطاقة والملاحة وسلاسل الإمداد، مما يجعل المشهد الأردني محكوماً بمعادلة مزدوجة. قال رئيس الوزراء جعفر حسّان إن الأردن يعتمد على طمأنة تستند إلى مخزون استراتيجي وخطط بديلة وإجراءات استباقية. وأوضح أن حذر الحكومة يأتي بسبب كلفة أي تصعيد طويل على أسعار الوقود والشحن والغذاء.
وكشف حسّان عن كثافة الاجتماعات الرسمية خلال الأيام الماضية، حيث تم تناول ملفات الطاقة والأمن الغذائي وسلاسل التوريد. وبين أنه لا يمكن إنكار الخطر، بل يجب إدارته بشكل فعال. وأكد على أهمية مراقبة الأسواق والأسعار ومنع الاحتكار.
أضاف حسّان أن هناك حاجة لتكامل الجهود بين الحكومة والقطاع الخاص لتعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع والمواد الأساسية. وأشار إلى أهمية الحفاظ على استقرار الأسواق المحلية في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.
استراتيجيات لتعزيز سلاسل التوريد
في إطار سلاسل التوريد، بحث حسّان مع ممثلي شركات الملاحة والشحن والخدمات اللوجستية واقع الإمداد وسبل خفض كلف النقل. وأكد ممثلو الشركات أن قرارات الحكومة لتسهيل النقل البري ودعم كلف الشحن البحري تساعد في تسريع وصول البضائع وتعزيز كفاءة سلاسل التوريد.
وتعتبر هذه الخطوات ضرورية، حيث إن الخطر الحقيقي في الأزمات لا يبدأ دائماً من نقص السلع، بل من تعطل وصولها أو ارتفاع كلفة نقلها وتأمينها. وفي السوق المحلية، جاء خطاب الطمأنة واضحا من القطاعين التجاري والصناعي.
قال ممثل قطاع المواد الغذائية في غرفة تجارة الأردن إنه لا مبرر لارتفاع سعر أي سلعة في ظل وصول السلع إلى الأردن، مؤكداً أن المخزون كافٍ وأن التجار استوردوا كميات كبيرة مخصصة لشهر رمضان.
طمأنة في القطاعين الغذائي والصناعي
وأوضح رئيس غرفتي صناعة الأردن وعمّان فتحي الجغبير أن مخزون المواد الأولية للمصانع الغذائية يكفي لأكثر من 3 أشهر، وأن القطاع الصناعي قادر على تغطية أي عجز إذا حصل تأخر في الشحن. وأكد أن الصناعة الغذائية المحلية تغطي نحو 65% من احتياجات السوق.
لم تتوقف الطمأنة عند قطاع الغذاء، حيث قال وزير الطاقة صالح الخرابشة إن لدى الأردن مستويات آمنة من الغاز لتوليد الكهرباء. وكشف عن وجود شحنات متعاقد عليها تصل تباعاً، وأن الوزارة بدأت تشغيل خطط بديلة عبر الوقود الثقيل والديزل عند انقطاع الغاز.
وفي وقت سابق، أوضحت الوزارة أن التحول إلى الديزل بدلاً من الغاز الطبيعي يكلف شركة الكهرباء الوطنية حوالي 1.8 مليون دينار يومياً. وأكدت الوزارة أن المنظومة تعمل لكن بكلفة أعلى تحت ضغط التطورات الإقليمية.
استراتيجيات طويلة المدى للأمن الغذائي
أكدت الحكومة أنها لا تتحدث فقط عن مخزون قائم، بل عن قدرة على المناورة. وأطلقت الحكومة حزمة مبادرات استراتيجية لقطاع الزراعة والأمن الغذائي ضمن البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي. تستهدف هذه المبادرات رفع كفاءة منظومة الأمن الغذائي الوطني وزيادة مدة كفاية المخزون الاستراتيجي من القمح والشعير.
أضافت الحكومة أن هذه المبادرات تهدف إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية الأساسية، مما يعني أن التعامل مع الأزمة ليس فقط استجابة آنية بل جزء من إعادة بناء المرونة على المدى المتوسط.
بينما تسعى الحكومة الأردنية لتبني استراتيجيات احتياطية، لا تعني الطمأنة الأردنية أن الصورة الإقليمية مريحة. على العكس، فإن الأحداث حول الأردن تفسر لماذا تتحرك الحكومة بهذا الإيقاع.
التحديات الإقليمية وتأثيرات الحرب
أفادت وكالة رويترز بأن الحرب عطلت جزءاً كبيراً من تدفقات الطاقة، مما أدى إلى خفض الإنتاج في دول مثل السعودية والكويت والعراق. كما توقفت عمليات في منشآت الغاز الطبيعي المسال في قطر، حيث حذرت أرامكو من "عواقب كارثية" على أسواق النفط إذا استمر إغلاق مضيق هرمز.
يمر عبر المضيق نحو 20% من تجارة النفط العالمية، مما يجعل أي اضطراب فيه قضية أسعار وإمداد عالمية. وفي المقابل، حذرت الخارجية القطرية من أن تداعيات الهجمات على منشآت الطاقة ستصل إلى العالم بأسره.
وأدت هذه الضغوط إلى خفض إنتاج النفط في العراق بنسبة تصل إلى 70% في بعض الحقول. كما أعلنت الكويت والبحرين حالة القوة القاهرة على بعض العمليات النفطية.
ارتفاع أسعار الغاز وتحديات السوق العالمية
في الأسواق العالمية، ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنحو 70%، فيما تضاعفت تكاليف استئجار ناقلات النفط بسبب المخاطر في منطقة الخليج. وفي دول بعيدة، مثل فيتنام، دفعت اضطرابات الإمداد وارتفاع الأسعار الحكومة إلى حث الشركات على تشجيع العمل من المنزل لتوفير الوقود.
تظهر الإجراءات الحكومية في دول أخرى، مثل كوريا الجنوبية التي تتجه إلى وضع سقف لأسعار الوقود، أن الأزمة بدأت تؤثر على استهلاك الطاقة بشكل عالمي. وأيضاً، في فيتنام، ألغت الحكومة الرسوم على واردات الوقود، بينما أغلقت بنغلادش الجامعات لتوفير الكهرباء.
هذا يوضح أن الدول بدأت تدير الأزمة من زاوية استهلاك الطاقة وتخفيف الصدمات على المستهلكين. وفي مصر، اتخذت الحكومة مساراً مختلفاً برفع أسعار الوقود، لكنها أكدت أنه لا مساس بسعر الخبز المدعوم.
التحديات المستقبلية للأردن
التحدي الأساسي في الأردن لا يكمن في توافر السلع والطاقة على المدى القصير، بل في كلفة استمرار هذه الوفرة إذا طال أمد الحرب. كلما طال التوتر، زادت كلفة البدائل في الكهرباء وارتفعت فواتير الشحن والتأمين.
لذا، فإن الرسالة الأهم تكمن في أن الأردن يمتلك أدوات احتواء أفضل من كثير من الدول حوله، منها المخزون والبدائل والرقابة. وتظهر هذه التحركات أن الأردن يبدو اليوم أكثر تماسكا من محيطه، ليس لأن المنطقة بخير، بل لأن الدولة تحركت مبكراً على ثلاثة مسارات متوازية: حماية أمن الطاقة، وتشديد رقابة الأمن الغذائي، وتحسين مرونة سلاسل التوريد.
ومع ذلك، تبقى اليقظة مطلوبة لأن الخطر الخارجي لا يزال مفتوحاً على جميع الاحتمالات.

