تواجه الصين تحديات اقتصادية متزايدة مع استمرار ضعف الطلب على الائتمان وتباطؤ النشاط الاقتصادي. قال مسؤولون إن الحكومة تحركت على مسارين متوازيين، هما تشديد الرقابة على الإعانات المالية التي تقدمها الحكومات المحلية، والبحث عن أدوات جديدة لدعم النمو وتحفيز الطلب الداخلي.
وأضافت البيانات الرسمية أن القروض المصرفية الجديدة تراجعت بأكثر من المتوقع، ما يعكس استمرار الحذر لدى الشركات والأسر في ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وأعلن مجلس الدولة الصيني خلال اجتماع برئاسة رئيس الوزراء لي تشيانغ عن توجه جديد لتنظيم سياسات الدعم المالي.
وأوضحت وسائل الإعلام الرسمية أن بكين تعتزم إنشاء آلية قائمة سلبية تحدد الحالات التي يُمنع فيها على السلطات المحلية تقديم إعانات مالية. وهذا يهدف إلى الحد من التشوهات في المنافسة وتعزيز بناء سوق وطنية موحدة.
الخطوات التنظيمية في الصين
يرى صناع القرار في بكين أن الدعم المالي المحلي غير المنظم قد يؤدي إلى منافسة غير متكافئة بين المناطق الصينية. وقد تسعى بعض الحكومات المحلية إلى جذب الاستثمارات عبر حوافز مالية كبيرة قد تُضعف كفاءة السوق. ولذلك، شدد مجلس الدولة على ضرورة تحسين "دقة السياسات وفاعليتها" واعتماد إجراءات أكثر انضباطاً في تقديم الدعم الحكومي.
ويأتي هذا التحرك التنظيمي في وقت تواجه فيه الصين تباطؤاً ملحوظاً في الطلب على الائتمان. فقد أظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن القروض الجديدة المقومة باليوان بلغت نحو 900 مليار يوان، منخفضة بشكل حاد مقارنة بـ4.71 تريليون يوان في الشهر السابق.
ورغم أن تراجع الإقراض يُعد ظاهرة موسمية، فإن البيانات تشير أيضاً إلى ضعف هيكلي في الطلب، خصوصاً من جانب الأسر. فقد سجلت قروض الأسر، بما في ذلك قروض الرهن العقاري، انخفاضاً بنحو 650.7 مليار يوان خلال الشهر.
تأثير أزمة سوق العقارات
يعكس هذا التراجع استمرار تأثير أزمة سوق العقارات الممتدة منذ سنوات، والتي أضعفت ثقة المستهلكين وأثرت على الإنفاق والاقتراض. كما أشار محللون إلى أن برامج دعم فوائد القروض الاستهلاكية لم تحقق تأثيراً كبيراً في تحفيز الطلب.
في المقابل، أظهرت البيانات أن قروض الشركات سجلت انتعاشاً محدوداً، مما قد يعكس تأثير إجراءات التيسير النقدي الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي. فقد أكد محافظ بنك الشعب الصيني أن بلاده ستواصل اتباع سياسة نقدية توسعية معتدلة لدعم الاقتصاد.
بعض الاقتصاديين يرون أن المجال المتاح لمزيد من التيسير النقدي قد يكون محدوداً في الأجل القريب، حيث إن المخاوف المتعلقة بالتضخم قد تقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة قريباً.
استراتيجيات تعزيز الطلب المحلي
في هذا السياق، أعلنت بكين مجموعة من الإجراءات لتعزيز الطلب المحلي ودعم القطاعات الاستراتيجية. فقد حددت الحكومة هدف نمو اقتصادي يتراوح بين 4.5 و5 في المائة، وهو أقل قليلاً من هدف العام السابق.
كما كشفت السلطات عن خطط لضخ 300 مليار يوان في البنوك الحكومية الكبرى لتعزيز قدرتها على الإقراض ودعم الاستقرار المالي. إضافة إلى ذلك، ستخصص الحكومة 250 مليار يوان من سندات الخزانة الخاصة طويلة الأجل لتمويل برامج استبدال السلع الاستهلاكية.
وأظهرت بيانات السيولة أن المعروض النقدي الواسع ارتفع بنسبة 9 في المائة، متجاوزاً توقعات السوق. بينما استقر نمو إجمالي التمويل الاجتماعي عند 8.2 في المائة.
توازن النمو الاقتصادي
تشير هذه المؤشرات إلى أن السلطات الصينية تحاول تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي ومنع تراكم المخاطر المالية. خصوصاً في ظل مستويات الدين المرتفعة لدى الحكومات المحلية والشركات.
تعكس الإجراءات الأخيرة لبكين توجهاً مزدوجاً يجمع بين تشديد الرقابة على الدعم الحكومي المحلي وتعزيز أدوات التحفيز الاقتصادي على المستوى الوطني. وبينما تسعى الصين إلى الحفاظ على استقرار سوقها الداخلية وتحفيز الطلب، يبقى نجاح هذه السياسات مرهوناً بقدرتها على إعادة الثقة إلى المستهلكين والشركات.

