في ظل التوترات العالمية المتزايدة والمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ومع تعثر سلاسل الإمداد بسبب التهديدات التي تواجه مضيق هرمز، يبرز الاقتصاد السعودي كنموذج قوي ومرن، وفق تقارير اقتصادية. هذا الصمود، حسب محللين، لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة لسياسات استباقية استثمرت في تنويع طرق النقل والخدمات اللوجستية، مما سمح للمملكة بتحويل موقعها الجغرافي إلى حصن اقتصادي آمن، بدلاً من كونه معتمداً على الممرات المائية المعرضة للخطر.
أضافت التقارير أن المملكة، عبر تطوير مسارات برية وبحرية وجوية بديلة، لم تضمن فقط استمرار تدفق الطاقة، بل أمّنت أيضاً احتياجات المنطقة من الغذاء والدواء، مما عزز مكانتها كمركز لوجستي حيوي في ظل الظروف الإقليمية المضطربة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن فعالية السياسات الاقتصادية السعودية، بالإضافة إلى توفر عناصر القوة وتعدد خيارات النقل والتصدير، ساهمت بشكل كبير في صمود الاقتصاد السعودي في مواجهة تداعيات التوترات الإقليمية.
في هذا السياق، أكد فضل بن سعد البوعينين، عضو مجلس الشورى والمستشار الاقتصادي، أن الاقتصاد السعودي يتميز بالقوة والمتانة والاستدامة، مما يجعله قادراً على التكيف مع المتغيرات الطارئة، مستفيداً من مقوماته وكفاءته، وهو ما يقلل من تأثير الأزمة الحالية على الرغم من المخاطر المتزايدة.
وشدد البوعينين على أن حجم الاقتصاد السعودي وعمقه يسمحان له باستيعاب الصدمات الطارئة والتعامل معها، بل وتحويل بعضها إلى فرص تساهم في تعويض أي نقص محتمل.
أشار البوعينين إلى أن الرؤية الاستراتيجية للقطاع النفطي والتحوط النوعي لضمان أمن الإمدادات ساهما في إيجاد بدائل مهمة لصادرات النفط بعد إغلاق مضيق هرمز، مما قلل من التداعيات التي واجهتها دول أخرى، وأوضح أن استدامة الصادرات عززت من موثوقية أرامكو السعودية وحافظت على الإيرادات الحكومية، بل ساهمت في تعظيم المكاسب من خلال الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط، لتعويض أي نقص في الكميات المصدرة.
كما شدد البوعينين على الدور الأساسي للإصلاحات الناتجة عن رؤية السعودية 2030 في تعزيز تنويع الاقتصاد والتحوط الاستراتيجي في الجوانب المالية والاقتصادية والنفطية، مبيناً أن الإدارة الحكيمة التي يشرف عليها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والتحوط الاستراتيجي المالي والنفطي كانا خط الدفاع الأول ضد الأزمة.
واستشهد البوعينين بتأكيد وكالة ستاندرد آند بورز على تصنيف المملكة الائتماني عند "إيه +" مع نظرة "مستقرة"، واصفاً إياه بأنه أكبر دليل محايد على متانة الاقتصاد وكفاءته.
كما أشاد بالدور الدفاعي، قائلاً إن قوة القطاعات العسكرية وجاهزيتها كانت العنصر الأهم في حماية الأصول النفطية وتحقيق الأمن الاقتصادي، مشيراً إلى أن موقع المملكة وإطلالتها على البحر الأحمر ساهما في استدامة خطوط التجارة وحماية القطاع التجاري الإقليمي.
أفاد البوعينين أن المملكة تحولت إلى منصة لوجستية عالمية، حيث فتحت مطاراتها وموانئها لتكون بديلاً للدول الشقيقة، مما ضمن استدامة سلاسل توريد الغذاء والدواء وطمأن الأسواق الخليجية، وفي قطاع الطاقة، استمرت السعودية في تلبية طلبات عملائها، بل عرضت المزيد من البراميل في السوق الفورية، مستفيدة من خط أنابيب شرق - غرب والاحتياطات المخزنة في الخارج.
وتابع البوعينين قائلاً إنه في قطاع النقل والخدمات اللوجستية، نجحت المملكة في معالجة أوضاع العالقين وإعادتهم إلى دولهم، وتأمين تشغيل شركات الطيران الخليجية عبر فتح المطارات البديلة.
وكشف عن دور إنساني ولوجستي ضخم للموانئ السعودية في المنطقة الشرقية، التي تولت تزويد نحو 3200 سفينة عالقة في الخليج و40 ألف بحار بالأغذية والأدوية والوقود بسبب التهديدات التي فرضت على خطوط الملاحة في مضيق هرمز، مؤكداً أن جهود المملكة الإنسانية لا تتوقف حتى في أصعب الظروف.
من جانبه، أكد المهندس عبد الله المبطي، رئيس غرفة أبها والرئيس السابق لاتحاد الغرف السعودية، أن طبيعة الاقتصاد السعودي جعلته صامداً أمام تداعيات الأزمة، مشيراً إلى أن المملكة تميزت بثبات ملحوظ أمام الأزمات التاريخية بفضل الرؤية الواضحة التي وضعتها القيادة لتعزيز الاقتصاد وفق منهج وخطط حكيمة.
وعزا المبطي صمود الاقتصاد السعودي إلى الرؤية الواضحة التي وضعها قادة المملكة لتعزيز الاقتصاد، مما يؤكد دور الرياض كعمق استراتيجي يمكن الاعتماد عليه للحفاظ على وضع اقتصادي مستقر في ظل الظروف الصعبة.
أشار المبطي إلى أن السعودية تؤمن بمسؤوليتها في التخطيط المسبق والدراية بتوقعات مجريات الأمور، كجزء لا يتجزأ من حرصها على الوطن ومصالح أبنائه.
وشدد المبطي على أن المملكة لم تكن يوماً داعية للحرب، بل كانت رؤيتها موفقة في إيجاد البدائل الاستراتيجية، مستدلاً بقدرة المملكة على الاستعاضة عن مضيق هرمز بضخ الخام عبر البحر الأحمر، بالإضافة إلى تأمين وصول كل المستلزمات إلى دول الخليج الأخرى من خلال البنية اللوجستية القائمة.
وقال المبطي إن من النتائج السريعة التي ظهرت هي كفاءة قطاع النقل البري السعودي واستجابته الفورية لتغطية احتياجات دولة الإمارات العربية المتحدة وبقية الدول المحيطة، سواء في نقل المسافرين أو تأمين سلاسل الإمداد، مما أثبت نجاح المملكة في تحويل موقعها الجغرافي إلى حصن اقتصادي للمنطقة.
من ناحيته، أوضح عبد الله بن زيد المليحي، الرئيس التنفيذي لشركة التميز التقنية السعودية، أن الخطط التي تنتهجها المملكة في إدارة قطاعات الاقتصاد والتجارة والاستثمار أكسبتها قدرة استثنائية على مواجهة التحديات الجسيمة التي أصابت الاقتصاد العالمي والإقليمي، واصفاً الاقتصاد السعودي بأنه أحد أهم الاقتصادات الصامدة في وجه تداعيات الأزمة الراهنة.
أضاف المليحي أن السياسات الاقتصادية السعودية صممت بمرونة عالية تجعلها قادرة على استيعاب الأزمات، مستشهداً بصمود المملكة التاريخي أمام الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ونجاحها الحالي في التعامل مع التداعيات الحالية.
أشار المليحي إلى أن السياسات التي عززت تنويع الاقتصاد وأرست بنية تحتية متطورة من موانئ برية وبحرية ساهمت في الاستثمار الأمثل للموقع الجغرافي الفريد للمملكة، حيث نجحت في الاستعاضة عن مضيق هرمز عبر البحر الأحمر، مؤكداً أن تعدد خيارات النقل والتصدير هو الذي حقق هذا الصمود الاستراتيجي.
أكد المليحي أن قطاع النقل البري السعودي بات اليوم القاطرة الفاعلة لاقتصادات المنطقة، حيث يشهد نمواً وانتعاشاً قوياً نتيجة استغلاله المكثف في تأمين حركة المسافرين والبضائع لدول المنطقة، ولا سيما الإمارات، مما عزز دور القطاع بوصفه من أهم ركائز مواجهة الأزمة القائمة.

