في خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، برز "البترويوان" كأحد التداعيات المالية المحتملة، وفقا لبلومبيرغ. فقد ذكر "دويتشه بنك" أن الصراع الحالي يختبر دور الدولار في تجارة النفط العالمية، وقد يكون بداية لتآكل هيمنة "البترودولار" وصعود اليوان الصيني في تسويات تعاملات النفط.
أضاف البنك الألماني أن إحدى النتائج بعيدة المدى قد تتمثل في تحول متزايد نحو اليوان، معتمدا على تقارير إعلامية تفيد بأن إيران تسمح بمرور السفن عبر مضيق هرمز إذا جرت مدفوعات النفط باليوان. وأوضح أن ذلك يضع النزاع في قلب اختبار مباشر للعملة الأمريكية في أهم سوق سلعية في العالم.
من جهتها، بينت المحللة الإستراتيجية لدى "دويتشه بنك" مالّيكا ساشديفا أن أي تصدعات إضافية في نظام "البترودولار" قد تخلف "تأثيرات كبيرة لاحقا" على استخدام الدولار في التجارة العالمية والادخار، وكذلك على موقعه كعملة احتياطية عالمية. وأشارت إلى أن الصين تسرع جهودها لتعزيز الحضور الدولي لعملتها ومنافسة الدولار في التجارة والتمويل.
جاء هذا التحذير في لحظة حساسة لسوق الطاقة، إذ أدى التوقف شبه الكامل لعبور السفن عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع الحيوية. يذكر أن هذا المضيق يمر عبره يوميا نحو خُمس شحنات النفط والغاز في العالم، إلى جانب كميات ضخمة من الأغذية والمعادن والمواد الأخرى.
أكدت إيران أن السفن الأجنبية يمكنها عبور مضيق هرمز ما دامت لا تدعم "أعمالا عدائية" ضدها وتلتزم باللوائح التي تضعها طهران. تزامن هذا الموقف مع تنامي الحديث عن أشكال تسوية ومدفوعات لا تعتمد على الدولار، حسب بلومبيرغ.
في موازاة هذا الضغط على البترودولار، أظهرت التطورات في الهند اتجاها عمليا نحو بدائل العملة الأمريكية. فقد نقلت بلومبيرغ عن مصادر مطلعة أن شركات التكرير الهندية تزيد تسوية مشترياتها من النفط الروسي بعملات بديلة، لتقليل الاعتماد على الدولار في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتبدل السياسة الأمريكية.
وحسب المصادر، تُنفذ بعض المعاملات عبر إيداع روبيات هندية في حسابات مصرفية خارجية خاصة يملكها باعة روس، ثم تُحوّل إلى اليوان الصيني وعملات أخرى. وأضافت أن بعض البنوك الهندية ذات الحضور المحدود في الخارج تسهّل هذه العمليات.
لا يقتصر الأمر على اليوان فقط وعملات خليجية أخرى، إذ تدرس الشركات أيضا استخدام الدولار السنغافوري ودولار هونغ كونغ. وأكدت المصادر أن تنفيذ المعاملات يبقى رهنا بمدى ارتياح كل بنك على حدة.
يكتسب هذا التحول وزنا أكبر لأن الإعفاء الذي منحته الولايات المتحدة للهند في وقت سابق لزيادة مشتريات النفط الروسي ينتهي قريبا. وقبل هذا الموعد تدفع بعض شركات النفط الروسية نحو ترتيبات أكثر استدامة تقوم على عملات بديلة لتقليل التعرض لتقلبات السياسة الأمريكية.
ربط "دويتشه بنك" بين هذه التحركات والتوترات مع إيران، معتبرا أن الصراع لا يرفع فقط كلفة الإمدادات ويضغط على الأسواق، بل يعيد أيضا فتح السؤال القديم حول العملة التي يجب أن تُسعَّر وتُسدَّد بها تجارة النفط.
تتضح أبعاد هذا التحول أكثر، حسب بلومبيرغ، في وتيرة الشراء الهندي نفسها. فقد نقلت الشبكة نفسها عن مصادر مطلعة أن المصافي الهندية اشترت نحو 60 مليون برميل من النفط الروسي للتسليم الشهر المقبل، في خطوة هدفت إلى تهدئة المخاوف المتعلقة بالإمدادات، بينما تخنق التوترات في المنطقة تدفقات الخام.
أكدت المصادر أن الشحنات حجزت بعلاوات تراوحت بين 5 دولارات و15 دولارا للبرميل من خام برنت، وهي كميات تعادل تقريبا مشتريات هذا الشهر، لكنها تزيد بأكثر من الضعف على مشتريات سابقة.
جاءت موجة الشراء بعد إعفاء أمريكي سمح للهند بالحصول على النفط الروسي لتعويض النقص الناجم عن المخاوف من تعطل الإمدادات.
تعتمد الهند بدرجة كبيرة على النفط المستورد، وأصبحت مشتريا رئيسيا للخام الروسي منخفض السعر بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. لكنها قلصت مشترياتها بشدة منذ أواخر العام الماضي تحت ضغط أمريكي، واتجهت بدلا من ذلك إلى خامات من السعودية والعراق، قبل أن تجد نفسها أمام إمدادات عالقة.
قالت المصادر إن مسؤولين في نيودلهي يتوقعون تمديد الإعفاء الأمريكي ما دامت الاضطرابات مستمرة. كما أن مصافي عادت إلى السوق بعد أن كانت قد تجنبت النفط الروسي منذ فترة.
في الوقت نفسه لا تكتفي الهند بزيادة مشترياتها من روسيا، بل تبحث أيضا عن تنويع إضافي للإمدادات مع استمرار التوترات. إذ يُتوقع أن تبلغ مشترياتها من الخام الفنزويلي للتسليم في الأشهر القادمة مستويات قياسية.
حسب بلومبيرغ، فبينما تسعى الهند إلى حماية أمنها الطاقي، تبدو روسيا من أكبر المستفيدين من هذا المشهد، إذ تحقق أرباحا كبيرة من تجدد الطلب وارتفاع أسعار نفطها.
بهذا المعنى، لا تبدو التوترات مجرد أزمة إمدادات عابرة، بل لحظة قد تعيد اختبار قواعد تجارة النفط نفسها، من مضيق هرمز الذي تمر عبره الشحنات، إلى العملة التي تُدفع بها الفواتير، وصولا إلى مستقبل التوازن بين "البترودولار" و"البترويوان".







