بدا واضحا ان الحرب لم تعد تقتصر على الاهداف العسكرية والامنية حتى مساء امس الجمعة. بل امتدت الى صميم البنية الصناعية الثقيلة في ايران. هذا بعد الاعلان عن استهداف مصانع "فولاذ مباركة" في اصفهان و"فولاذ خوزستان" في الاهواز. وقبلهما بيوم مصنع "فولاذ اسيا" في الاهواز.
وبحسب السلطات المحلية والشركات ووكالة "ايلنا" التابعة للاتحاد شبه الرسمي للعمال. اسفر الهجوم على "فولاذ مباركة" عن قتيل و15 جريحا. بينما قالت المصادر نفسها ان الهجوم على "فولاذ خوزستان" الحق اضرارا ببعض المنشات من دون تسجيل اصابات بشرية حتى وقت النشر.
وبحسب بيانات منشورة على موقع "فولاذ مباركة". يستحوذ قطاع الصلب في ايران على نحو 4.5% من الاقتصاد الوطني. ويعادل 16.5% من الصادرات غير النفطية. فيما تصل صادرات سلسلة الصلب الى نحو 8 مليارات دولار.
ووفقا لتقرير صادر عن الرابطة العالمية للصلب (worldsteel). بلغ انتاج ايران من الصلب الخام نحو 31.4 مليون طن. وجاءت في المرتبة العاشرة بين منتجي الصلب في العالم. كما اظهر بيان شهري منفصل للرابطة ان انتاج ايران بلغ 2.6 مليون طن.
وتتركز الكتلة الاهم من هذه الصناعة في اصفهان. فمجموعة "فولاذ مباركة" تقول في بياناتها الرسمية انها تنتج نحو ثلث الفولاذ في ايران. وان الطاقة الحالية للمجموعة تبلغ 11.1 مليون طن.
وتظهر ارقام اخرى منشورة على موقع الشركة ان "فولاذ مباركة" انتجت نحو 8.9 ملايين طن من بلاطات الصلب و7.3 ملايين طن من الحديد الاسفنجي و7.1 ملايين طن من مكورات خام الحديد. مما يعني ان اي اصابة تطال هذا المجمع لا تصيب مصنعا محليا فحسب. بل تضرب اكبر ثقل منفرد في الصناعة الفولاذية الايرانية.
اما "فولاذ خوزستان". فهي القطب الثاني الاكثر حساسية. لكن بطابع مختلف: طابع اقرب الى الصلب الوسيط والتصدير. ووفق مادة نشرتها "ايلنا". توصف "فولاذ خوزستان" بانها اكبر مصدر للصلب الايراني. وقد صدرت نحو 5.8 ملايين طن الى 28 دولة منذ 21 مارس/اذار 2020 حتى 20 مارس/اذار 2024. رغم ان قيود الطاقة تسببت -بحسب المصدر نفسه- في فقدان اكثر من 2.5 مليون طن من انتاجها في تلك الفترة.
كما تشير بيانات منشورة في "ايلنا" الى ان احتياجات الشركة من الخام ترتبط بانتاج سنوي يناهز 3.8 ملايين طن من الصلب الوسيط. مما يفسر موقعها المحوري في السوق الداخلية وفي التصدير على السواء.
وبهذا المعنى. فان استهداف اصفهان وخوزستان ليس استهدافا جغرافيا لموقعين صناعيين فقط. بل ضربا لعقدتين اساسيتين في الخريطة الفولاذية الايرانية. اذ تمثل الاولى مركز الانتاج الكمي الاكبر. والثانية مركز الصلب الوسيط والتصدير.
ولذلك فان اي تعطل ممتد فيهما ستكون له كلفة على السوق المحلية. وعلى تدفقات النقد الاجنبي. وعلى قدرة ايران على الحفاظ على موقعها بين كبار المنتجين العالميين.
وفي تفاصيل ضربة امس الجمعة. قالت "فولاذ مباركة" في بيان ان الهجوم استهدف جزءا من منشات الكهرباء وجزءا من ورشة صناعة الصلب.
اوضح محافظ اصفهان ان الضربة اصابت محطتي كهرباء بقدرتي 914 ميغاواط و250 ميغاواط في مباركة. اضافة الى الحاق اضرار بجزء من ورشة "فولاذ مباركة".
لكن. وحتى لحظة اعداد هذا التقرير. لا توجد في المصادر الايرانية المنشورة ارقام رسمية تفصيلية تحدد كم كانت تنتج بالضبط الوحدة الصناعية المصابة داخل ورشة الصلب. او ما حجم الفاقد الانتاجي الفعلي الناتج عن تعطيل منشات الكهرباء.
في "فولاذ خوزستان". تحدثت "ايلنا" عن تعرض بعض منشات الشركة لاضرار. مع تاكيد عدم وقوع قتلى او جرحى.
وفي تفاصيل اضافية عن الهجوم. قالت العلاقات العامة للشركة ان الضربة اصابت وحدات الاختزال المباشر 2. و"الميغامودول زمزم 3". اضافة الى قسم صناعة الفولاذ. مما ادى الى توقف خطوط الانتاج.
ولم يبدا استهداف قطاع الصلب الايراني امس فقط. فقبل ذلك بيوم. افادت "ايلنا" بان مصنع "فولاذ اسيا" في الاهواز تعرض لاصابة مباشرة في احد المخازن. مما اسفر عن مقتل شخص واصابة اثنين.
وبهذا يكون المسار التصاعدي واضحا: من استهداف وحدة صناعية اصغر نسبيا في الاهواز. الى اصابة اثنين من اثقل الاسماء في قطاع الصلب الايراني في يوم واحد.
وقبل اندلاع الحرب. لم يكن قطاع الصلب الايراني في حالة انهيار. لكنه كان يعمل تحت ضغط مزمن من ازمة الطاقة. فقد اظهرت بيانات نشرتها وكالة "مهر" الايرانية ان انتاج 2024 نما بصعوبة. فيما تراجع انتاج بسبب نقص الغاز والكهرباء.
وفي داخل "فولاذ مباركة". تحدثت بيانات منشورة على موقع الشركة عن اكثر من 75 يوما من القيود الحادة على الغاز منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024. كما اشارت مادة اخرى منشورة على الموقع نفسه الى توقفات تشغيلية بلغت نحو 35 يوما في خطوط الدرفلة والفولاذ بسبب انقطاع الكهرباء.
وفي "فولاذ خوزستان". قالت "ايلنا" ان خسائر القيود الطاقية بين 21 مارس/اذار 2020 حتى 20 مارس/اذار 2024 تجاوزت 2.5 مليون طن من الانتاج.
تبدو الضربات الاخيرة اكثر من مجرد اصابات موضعية في منشات صناعية. فهي -اذا استمر اثرها- قد تدفع قطاعا كان يعاني اصلا من اختناقات الطاقة الى مرحلة اكثر هشاشة. وتضغط على احد اهم مصادر الايرادات غير النفطية لايران.
وحتى مع غياب ارقام ايرانية نهائية عن حجم تضرر الانتاج في الوحدات التي ضربت امس. فان الثابت حتى الان هو ان الحرب وصلت الى قلب الصناعة الفولاذية الايرانية. ولم تعد تقتصر على اطرافها.

