على الرغم من تقلبات الحروب، لا تزال هناك فرص ربح للمستثمرين الصغار، لكن مع قواعد جديدة. فلم يعد الأمر يتعلق بالبحث عن أصل آمن يربح دائما، بل بفهم حركة السيولة والأصول المستفيدة من صدمات الطاقة، وتلك التي قد تخذل المستثمرين عند انعكاس السوق.
أظهرت الأسواق أن النفط كان الأسرع استجابة للأحداث، بينما كان الذهب أكثر تعقيدا من المتوقع.
أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن الحرب أحدثت أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط، مع هبوط حاد في تدفقات الخام عبر مضيق هرمز، الأمر الذي دفع دول الخليج إلى خفض إنتاجها.
قالت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن خام برنت أغلق عند 94 دولارا للبرميل، بارتفاع يقارب 50% منذ بداية العام، وتوقعت بقاءه فوق 95 دولارا في الشهرين التاليين، ثم هبوطه بعد ذلك إذا عادت التدفقات عبر هرمز، وهذا يفسر لماذا تصدر النفط وقطاع الطاقة الأصول التي أعيد تسعيرها.
أوضح رئيس أبحاث السوق في شركة إيكويتي، أحمد عزام، أن الأموال في أوقات الحرب لا تختفي، بل تنتقل من أصل إلى آخر، وأن النفط هو أول أصل يتحرك في هذه الحروب، لأن السوق أعادت تسعير خطر الإمدادات المرتبط بإيران ومضيق هرمز.
تكمن أهمية هذه الملاحظة في أنها تنقل المستثمر الصغير من مطاردة الشاشة إلى فهم مسار السيولة، حيث تبدأ السوق بالطاقة أولا، ثم تعيد تسعير التضخم ومعدلات الفائدة، وبعدها تتعرض أدوات المخاطرة لضغط أو ترتد سريعا إذا ظهرت إشارات تهدئة.
النصيحة الأولى هي عدم مطاردة خام النفط نفسه، بل الانكشاف الانتقائي على أسهم وشركات الطاقة أو الصناديق المرتبطة بالقطاع، وأشارت مؤسسة جيه بي مورغان إلى أن أسهم الطاقة، خصوصا أنشطة الاستكشاف والإنتاج، إلى جانب شركات الدفاع، هي من أدوات التحوط الفورية.
وصف بنك أوف أمريكا المشهد بأنه دخول في عصر الجغرافيا السياسية الصناعية، حيث لم تعد الاستفادة من مجالات الدفاع مقتصرة على السلاح وحده، بل امتدت إلى الموارد والطاقة والبنية الصناعية المرتبطة بالأمن القومي.
قال خبير أسواق المال، محمد يونس، إن الخطأ الشائع هو الخلط بين الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط وبين المضاربة اليومية عليه، لأن الأدوات المرتبطة مباشرة بالعقود الآجلة تحمل تقلبات ومخاطر فنية لا يدركها كثير من الأفراد.
أضاف يونس أن الاستثمار عبر أسهم الطاقة أو الصناديق القطاعية أكثر أمانا من مطاردة الحركة اليومية للخام، خصوصا في بيئة تتسع فيها الفوارق السعرية وتضعف السيولة مع التوتر، وحتى جيه بي مورغان شددت على أن الأثر الجيوسياسي على الأسواق غالبا ما يكون مؤقتا، وأن المحفظة المتنوعة تظل أفضل من الرهان الأحادي.
أما الذهب، فالصورة فيه أقل بساطة من الاعتقاد الشعبي بأنه يرتفع دائما وقت الحروب، وقال بنك يو بي إس إن خصائص الذهب التي اشتهر بها ملاذا آمنا لم تظهر بوضوح في أسعاره منذ بدء الحرب، وإن المستثمرين اتجهوا أيضا إلى السيولة وأصول الطاقة، بينما ضغطت مخاوف التضخم وارتفاع الدولار والقلق من تشدد السياسة النقدية على المعدن النفيس.
مع ذلك، أبقت يو بي إس على نظرتها الإيجابية للذهب ورأت أنه قد يرتفع هذا العام، واعتبرته أداة فعالة لتنويع المحافظ.
أشار مجلس الذهب العالمي إلى أن المعدن النفيس ارتفع بنحو 4% في أقل من جلستين، وهو سلوك ينسجم مع ميله التاريخي إلى الصعود في نحو ثلثي أحداث المخاطر الجيوسياسية الكبرى، لكن بنك التسويات الدولية نبه بدوره إلى أن المعادن النفيسة قد تتصرف أحيانا مثل الأصول الخطرة تحت ضغط السوق.
يرى عزام أن الذهب يستمر أداة تحوط ضمن محفظة متوازنة، لكنه ليس بالضرورة أول الرابحين في الحرب الحالية، لأن ارتفاع النفط أعاد إشعال مخاوف التضخم وأضعف رهانات خفض معدلات الفائدة، مما زاد تكلفة الاحتفاظ بالذهب.
يضيف يونس أن الذهب في هذه الظروف أصل مناسب لحماية جزء من المحفظة، لا للمراهنة بكل السيولة عليه، لذا ينصح بشراء الذهب لتوازن المخاطر، لا لمطاردة القمم.
النصيحة الثالثة تتعلق بالسيولة والانضباط، وينصح عزام بالاحتفاظ بجزء من السيولة بعملة الدولار لأن التقلب العالي يخلق فرصا لاحقة، ويحذر من استهلاك كامل السيولة في أول حركة، لأن ذلك يفقد المستثمر مرونته إذا ظهرت أسعار أفضل لاحقا، كما يشدد على أن إدارة رأس المال أهم من صحة الفكرة نفسها.
يصل يونس إلى الخلاصة نفسها قائلا إن الربح في زمن الحرب لا يأتي من الشجاعة الزائدة، بل من الانضباط وتجنب الرافعة والرهانات أحادية الاتجاه، الأمر الذي يتسق مع رسالة جيه بي مورغان بأن علاوات المخاطر الجيوسياسية قد تدخل الأسواق بسرعة كما تتلاشى بسرعة، لذلك يبقى التنويع ومقاومة إغراء توقيت السوق أكثر مصداقية من مطاردة الأخبار.
من الأدوات المفيدة أيضا للمستثمر الصغير في هذه البيئة الشراء الدوري المنتظم بدلا من ضخ المال دفعة واحدة، ويقول عزام إن تقسيم المبلغ إلى دفعات ثابتة على فترات منتظمة لا يلغي المخاطرة، لكنه يقلل أثر سوء التوقيت والانفعال العاطفي ويجعل الدخول أكثر انضباطا في بيئة جيوسياسية وتجارية شديدة الضبابية.
تكتسب هذه النصيحة أهمية أكبر عندما نضعها بجانب توقعات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التي ترجح بقاء النفط مرتفعا على المدى القصير ثم تراجعه لاحقا مع عودة التدفقات، أي أن السوق نفسها تقول للمستثمر الصغير إن مطاردة القفزات الأولى قد تكون مكلفة إذا انعكس المسار بسرعة.
لا يقتصر التفكير الدفاعي على الطاقة والذهب فقط، فقد أوصت يو بي إس ببقاء المستثمرين داخل محافظ متنوعة، وبناء مزيد من التنويع عبر سندات عالية الجودة والذهب والسلع، مع خفض الانكشافات الدورية كلما طال أمد الأزمة.
يقول يونس أن السندات الطويلة قد لا تؤدي دور الملاذ المألوف إذا كانت الحرب ترفع التضخم والعوائد في الوقت نفسه، مما يجعل الأدوات القصيرة الأجل أو الأقل حساسية لمعدلات الفائدة أكثر ملاءمة من السندات الطويلة، وهذا يعني أن المستثمر الفرد ليس مضطرا للاختيار بين نفط أو ذهب فقط، بل يمكنه توزيع دفاعه بين أكثر من طبقة أصول بدل تحويل المحفظة إلى رهان واحد.
أفضل خطة لصغار المستثمرين في هذه الحرب تبدو من 4 قواعد بسيطة:
- انكشاف انتقائي على الرابحين من صدمة الطاقة بدل المضاربة على الخام نفسه.
- الاحتفاظ بذهب على سبيل التحوط وليس محفظة كاملة.
- الاحتفاظ بجزء من السيولة لاقتناص الفرص اللاحقة.
- الدخول التدريجي المنظم بدل الزج بكل المدخرات دفعة واحدة.

