تواصل مراكب الصيد الكويتية رحلاتها اليومية في البحر، على الرغم من التحديات التي تشهدها المنطقة من ضربات صاروخية وهجمات الطائرات المسيرة، بالإضافة إلى تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز منذ بداية الحرب على إيران.
يتصدر الصيادون الكويتيون المشهد، حيث تخرج مراكب الصيد يوميًا لتوفير أكثر من 20 طنًا من الأسماك المحلية للأسواق، وذلك وفقًا لتقديرات اتحاد الصيادين الكويتيين، بالإضافة إلى كميات السمك المستورد.
على متن مركب صيد راسيًا بالقرب من ساحل منطقة شرق في مدينة الكويت، انشغل خمسة صيادين مصريين بترتيب شباكهم وتجهيزها استعدادًا لرحلة صيد جديدة مع بزوغ ضوء الفجر.
تستغرق هذه الرحلة عدة أيام في عرض البحر قبل أن تعود المراكب محملة بما تجود به مياه الخليج من أسماك، حيث تُنقل مباشرة إلى سوق السمك المعروف "بسوق شرق" لعرضها في المزاد اليومي الذي يقام في الساعة الثالثة عصرًا.
جلس الصيادون حول وجبة غذاء من السمك والأرز تُعرف باسم "الصيادية"، وبينما كانوا يتبادلون الحديث عن العمل والبحر، وعن أحلام وطموحات كل منهم، برزت حكاية أحدهم، الشاب المصري حمادة، الذي أطلق عليه زملاؤه مازحين لقب "عريس العيد"، بعدما تعطلت خطط سفره إلى بلاده لعقد قرانه بسبب ارتفاع أسعار تذاكر الطيران والتوترات الإقليمية الحالية.
يقول الصيادون، وهم يتحدثون للجزيرة نت من على ظهر المركب، إن رحلات الصيد في المياه الكويتية تسير وفق مواسم محددة على مدار العام، حيث يبدأ الموسم الحالي عادة في شهر يناير/كانون الثاني ويستمر حتى مطلع شهر أبريل/نيسان، قبل أن يتوقف لفترة قصيرة ليعود في موسم آخر يمتد حتى أغسطس/آب، ثم يليه الموسم الأهم الذي يستمر إلى نهاية ديسمبر/أيلول.
أضاف الصيادون أنه خلال هذه المواسم تخرج المراكب في رحلات تستغرق بين 6 إلى 7 أيام قبل أن تعود محملة بأنواع مختلفة من الأسماك، ويؤكد الصيادون أن ملاك هذه المراكب، وهم من المواطنين الكويتيين، يحرصون على استمرار خروجها إلى البحر رغم الظروف الحالية، بهدف تلبية احتياجات السوق المحلية من الأسماك.
قال علاء، بعد أن سلم أسماكه في السوق وتحدث عن أجواء الصيد، إن المراكب التي تخرج إلى الصيد حاليًا خشبية وبطيئة نسبيًا بسرعة تتراوح بين 7 و 8 أميال في الساعة، إلا أنها تغطي نسبة كبيرة من احتياجات السوق بشكل يومي.
قال رئيس اتحاد الصيادين الكويتيين عبد الله السرهيد في حديث للجزيرة إن قطاع الصيد في الكويت يواصل عمله رغم تداعيات التوترات الإقليمية وتأثر حركة الملاحة في مضيق هرمز، مؤكدًا أن الأسواق الكويتية ما تزال تشهد وفرة في الأسماك المحلية والمستوردة.
أوضح السرهيد أن الإدارة العامة لخفر السواحل الكويتية حددت لمراكب الصيد الكويتية منذ بداية الأزمة مناطق آمنة لعمليات الصيد، وأن هناك متابعة دائمة على مدار الساعة لتلك المراكب للحفاظ عليها وتأمين عملها، مع إيقاف بعض القوارب الصغيرة السريعة عن الصيد حفاظًا على الأمن.
أشار رئيس اتحاد الصيادين إلى أن إجمالي القطع البحرية العاملة في قطاع الصيد تبلغ نحو 720 قطعة، بينها نحو 300 طراد صغير متوقف حاليًا، بالإضافة إلى مراكب متوقفة بشكل طبيعي استعدادًا للموسم الخاص بها.
يذكر السرهيد أن نحو 245 إلى 250 قارب صيد يواصلون العمل في البحر دون توقف، الأمر الذي ساهم في استمرار تدفق الأسماك إلى الأسواق، ويتوقع زيادة الكميات خلال الأيام المقبلة مع عودة مزيد من المراكب إلى العمل.
أوضح السرهيد أن الكويت تعتمد كذلك على استيراد الأسماك من عدة دول خليجية ودول أخرى في آسيا، مضيفًا أن الاستيراد الجوي من دول مثل باكستان وبنغلاديش والهند وإيران توقف بشكل مؤقت، فيما يستمر وصول بعض الشحنات عبر المنافذ البرية.
أفاد رئيس اتحاد الصيادين الكويتيين أن الأسواق المحلية تستورد قرابة الـ 20 طنًا من الأسماك المحلية التي يتم صيدها يوميًا، في حين تتراوح الكميات المستوردة حاليًا بين 7 و 8 أطنان، بينما وصلت الأسماك المستوردة قبل بدء الحرب إلى نحو 70 طنًا في اليوم.
أكد المتحدث نفسه أن بعض أنواع السمك، مثل الزبيدي والهامور، شهدت ارتفاعًا طفيفًا في الأسعار نتيجة توقف بعض القوارب المتخصصة في صيدها، مشددًا على أن الأسماك ما تزال متوفرة في الأسواق وبأسعار في متناول المستهلكين.
في محافظة الفروانية، وداخل أحد المحلات الشهيرة بتجهيز وبيع الأسماك، جلس كريم داخل محله قبل إغلاقه عند منتصف الليل وهو يتابع الأخبار عن الأحداث الجارية.
قال كريم للجزيرة نت، وبسؤاله عن الأسماك التي تستخدم في محلات التجهيز والبيع، إن محلات بيع الأسماك تختلف من محل لآخر بحسب أنواع الأسماك وطريقة تجهيزها، سواء بالشواء أو القلي، لكن معظم المحلات تعتمد على الأسماك المستوردة لتلبية الطلب اليومي.
أضاف كريم "أعمل في المحل منذ سنوات، ومع بداية الحرب في 28 فبراير/شباط شهدنا ارتفاعًا في أسعار بعض الأسماك المستوردة لمدة تراوحت بين 5 و 10 أيام، خاصة خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، فزادت الأسعار على كراتين (صناديق) الأسماك التي تزن عادة 10 كيلوغرامات بحسب نوع السمك، بمعدل يتراوح بين دينار (3 دولارات) وخمسة دنانير (16.2 دولار) للكرتونة."
أوضح كريم أن ارتفاع الأسعار دفع المحل إلى تعديل أسعار الوجبات، حيث زاد سعر كل وجبة ربع دينار (0.8 دولار) لتغطية التكاليف الإضافية، ومع عودة تدفق الأسماك المستوردة وزيادة كمياتها واستقرار السوق، أعاد صاحب المحل الأسعار إلى مستوياتها السابقة.
تابع كريم "حتى مكونات الوجبات الأخرى تأثرت، مثل الطماطم التي ارتفعت نسبيًا، وللحفاظ على نفس السعر للمستهلك قمنا بترشيد كمية السَلطة، فأصبح الطبق يحتوي على 4 قطع طماطم بدلا من 5".
في جولة داخل أحد مراكز البيع الكبيرة للمواد الغذائية، رصدت "الجزيرة نت" أسعار بعض الأسماك المعروضة، حيث بلغ سعر كيلو البوري المصري الكبير 2.490 دينار (8 دولارات)، وسمك التونة متوسط الحجم 1.495 دينار (4.84 دولار)، وسمك لالي 0.795 دينار (2.5 دولار)، أما الدنيس فسعره 4.290 دينار (13.8 دولار)، والسلمون الكامل الفاخر 6.690 دينار (21.6 دولار)، بينما وصل سعر السلمون النرويجي إلى 8.690 دينار (28.1 دولار).
قال بوعلي، وهو كويتي في عقده السادس، وهو يقف داخل سوق السمك في سوق المباركية على أحد البسطات لشراء بعض أنواع السمك، للجزيرة نت "جئت لشراء الهامور ووجدته في السوق، والحمد لله أغلب أنواع الأسماك موجودة ولم تنقطع رغم الأحداث الجارية".
أضاف بوعلي أن الأمن الغذائي في الكويت "خط أحمر"، لذلك وفرت الحكومة مختلف السلع الغذائية في الأسواق، ولا يوجد نقص في السلع الرئيسية مثل الأسماك أو اللحوم والدجاج، مضيفًا "الحمد لله الكويت بخير وكل ما تريده تجده في السوق وبأسعار تناسب الجميع".
مع نهاية رحلة مراكب الصيد في البحر وعودتها إلى البر، خرجت عربات جر صغيرة تباعًا محملة بكميات من الأسماك المتنوعة، مغطاة بطبقات من الثلج، يجرها شباب اسمرّت وجوههم من شمس البحر بعد أيام من الصيد، وابتسامتهم تملأ وجوههم بحصاد وخيرات البحر.
المشهد يتكرر يوميًا ويختصر رحلة طويلة، تبدأ من عرض البحر وتنتهي على موائد أهل الكويت، في وقت يواصل فيه الصيادون عملهم لتأمين هذه السلعة الأساسية رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.







