اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

الذكاء الاصطناعي صراع جيوسياسي يعيد رسم موازين القوة العالمية

{title}

اتفقت عدة صحف أوروبية على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد سباق تكنولوجي بل تحول إلى صراع جيوسياسي يعيد رسم موازين القوة العالمية.

قالت صحيفة لوتان السويسرية إن السيطرة على الذكاء الاصطناعي تعني السيطرة على العالم، مشيرة إلى أن هذه التكنولوجيا تتسلل إلى كل جوانب الحياة، بما في ذلك الاقتصاد والسياسة.

أضافت الصحف مثل لوتان ولوفيغارو ولوموند أن الصراع لم يعد يتعلق بعدد المعالجات أو قوة الخوارزميات، بل بالنفوذ العالمي، حيث أن النماذج ليست محايدة بل تعكس اختيارات ثقافية وسياسية، مما يجعلها أداة قوة ناعمة تمكنت الصين من استغلالها بامتياز.

لوتان: نماذج الذكاء الاصطناعي ليست محايدة، بل تعكس اختيارات ثقافية وسياسية، مما يجعلها أداة قوة ناعمة تمكنت الصين من استغلالها بامتياز.

تظهر بكين كطرف رئيسي، حيث تراهن على النماذج المفتوحة لنشر تقنياتها عالمياً، مما يتيح خلق تبعية تدريجية دون فرض مباشر. ولفتت الصحيفة إلى أن هذه النماذج تحدد المعايير سواء في المحتوى أو طريقة التفاعل، مما يمنح بكين نفوذا يتجاوز حدودها.

في تقرير آخر، اعتبرت لوتان أن الكارثة التي كانت تخشاها الولايات المتحدة قد وقعت بالفعل مع صعود شركة ديب سيك، إذ أن إطلاق نموذج قوي ومنخفض التكلفة وتطويره باستخدام رقائق صينية من هواوي يمثل منعطفا حاسما في سباق الاستقلال التكنولوجي.

وحذر أحد المتخصصين من أن انتشار هذه النماذج عالمياً قد يجعل التكنولوجيا الصينية هي المعيار العالمي، خاصة مع فارق الأسعار الكبير مقارنة بالنماذج الغربية.

تكشف هذه التطورات عن نتيجة عكسية للعقوبات الأمريكية، إذ إن القيود على التصدير سرعت تطوير نظام تكنولوجي صيني مستقل بدلاً من أن تعيقه.

تتفق التحليلات على أن أوروبا لم تحجز لنفسها موقعاً مؤثراً بعد، بينما تتنافس واشنطن وبكين على الريادة، حيث تكافح أوروبا لتطوير نماذج من الطراز الأول.

رغم بعض المبادرات، لا تزال القارة تفتقر إلى منظومة متكاملة تجمع التمويل والابتكار والسرعة اللازمة لمجاراة هذا السباق.

هذا القلق يتردد صداه في صحيفة لوموند الفرنسية، حيث حذر المستثمر الأمريكي تشارلز فيرغيسون من أن الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة تفوق قدرة المجتمعات على التكيف، كما ينبه إلى مخاطر عميقة تتراوح بين التضليل الإعلامي وتركز الثروة.

في حوار له مع الاقتصادي الفرنسي الحائز على نوبل فيليب آغيون، اتفق الاثنان على أن الذكاء الاصطناعي يطرح تحديات بقدر ما يقدم فرصاً، مؤكدين أن العالم يقف أمام تحول جذري يتطلب استجابة عاجلة ومتعددة الأبعاد.

يرى فيرغيسون أن سرعة تطور الذكاء الاصطناعي تجعل من الصعب حتى على المتخصصين مواكبته، قائلاً: "هذه التكنولوجيا تغيّر كل شيء... ومن الصعب للغاية على إنسان أن يفهم ديناميكيتها"، منتقداً في الوقت ذاته غياب التنسيق بين مجالات مثل الاقتصاد والقانون والتكنولوجيا.

في المقابل، أقرّ آغيون بوجود هذا التحدي، لكنه أشار إلى محاولات لتداركه عبر لجان متعددة التخصصات، مؤكداً أن فهم الظاهرة يتطلب تعاوناً واسعاً بين الخبراء.

فيرغيسون: خلال عامين، لن تتمكن من التمييز بين الفيديو الحقيقي والمزيف.

يعكس هذا النقاش تبايناً في النبرة، إذ يصف فيرغيسون نفسه بأنه "متفائل جداً وقلق بشكل جذري في آن واحد"، محذراً من مخاطر حقيقية مثل التضليل الإعلامي، حيث يقول: "خلال عامين، لن تتمكن من التمييز بين الفيديو الحقيقي والمزيف"، كما نبه إلى احتمال استبدال نسبة كبيرة من الوظائف أو حدوث صدمات مفاجئة في سوق العمل.

أما آغيون، فيتبنى ما يسميه "تفاؤلاً حذراً"، مشدداً على أن الذكاء الاصطناعي أمر واقع لا يمكن إيقافه، وأن محاولة عرقلته في أوروبا ستدفع بتطوره إلى مناطق أخرى أقل التزاماً بالضوابط.

كما طرح آغيون سؤالاً عملياً: كيف يمكن استخدام هذه التكنولوجيا لتعزيز النمو وتقليل اللامساواة؟

يشترك الطرفان في الرأي بأن سوق العمل سيكون من أكثر المجالات تأثراً، حيث يقترح آغيون إصلاحات عميقة مستوحاة من النموذج الإسكندنافي، خاصة نظام "المرونة مع الأمان"، موضحاً أن "المرونة للشركات يجب أن تقابلها حماية قوية للعمال"، بما في ذلك دعم مالي وإعادة تأهيل مهني.

آغيون اقترح إصلاحات عميقة مستوحاة من النموذج الإسكندنافي، خاصة نظام "المرونة مع الأمان"، موضحاً أن المرونة للشركات يجب أن تقابلها حماية قوية للعمال.

يؤكد آغيون على ضرورة إصلاح التعليم، محذراً من تراجعه، ومشدداً على أهمية تعليم المهارات الأساسية والقدرة على التعلم الذاتي، إلى جانب المهارات السلوكية مثل العمل الجماعي والاستقلالية.

يحذر فيرغيسون من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تركز غير مسبوق للثروة، قائلاً إن العالم قد يشهد قريباً ظهور "آلاف المليارديرات الشباب"، ما يهدد التوازنات الديمقراطية.

آغيون: ثمة ضرورة لفرض ضرائب عادلة وسياسات منافسة فعالة لمنع الاحتكار، مع الحذر من الإفراط في التنظيم إذ قد يضر بالابتكار ويعيق دخول شركات جديدة.

يتفق آغيون مع فيرغيسون على هذا الخطر، مشيراً إلى ضرورة فرض ضرائب عادلة وسياسات منافسة فعالة لمنع الاحتكار، مع التحذير من أن الإفراط في التنظيم قد يضر بالابتكار ويعيق دخول شركات جديدة.

يرفض الطرفان فكرة وقف تطوير الذكاء الاصطناعي مؤقتاً، حيث وصفها فيرغيسون بأنها "فكرة سخيفة في عالم تنافسي"، في ظل سباق دولي محتدم، لكنهما متفقان على أن الحل يكمن في مزيج من الإصلاحات الاقتصادية والتعليمية والتنظيمية لضمان أن تكون هذه الثورة في خدمة المجتمع، لا على حسابه.

تكشف صحيفة لوفيغارو جانباً آخر من الصراع يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، حيث عارض مئات الموظفين داخل غوغل التعاون مع الجيش الأمريكي، محذرين من أنه "لا توجد وسيلة لضمان عدم استخدام هذه الأدوات لإحداث أضرار فادحة أو تقليص الحريات".

يعكس هذا الجدل اتساع رقعة التنافس، من الاقتصاد إلى الأمن والدفاع، حيث تسعى الدول إلى امتلاك تفوق تقني قد يترجم مباشرة إلى قوة عسكرية.

يمكن الخروج بخلاصة مفادها أنه بين طموح صيني يتسارع، وهيمنة أمريكية تسعى للحفاظ على تفوقها، وتردد أوروبي واضح، تتشكل ملامح عالم جديد، عالم تصبح فيه الخوارزميات أدوات نفوذ، والنماذج اللغوية وسائل هيمنة.

في قلب هذا التحول، تبرز معادلة باتت تتكرر في مختلف التحليلات: من يملك الذكاء الاصطناعي… يملك مفاتيح القوة في العالم القادم.