سحب مسودة السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي التي نشرتها الحكومة الجنوب أفريقية في الجريدة الرسمية لم يكن حدثا عابرا. فقد أعلن وزير الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية في جنوب أفريقيا سولي ملاتسي سحب هذه المسودة بعد اكتشاف أنها تستند إلى مراجع أكاديمية مفبركة، مما يثير تساؤلات حول مصداقية الوثيقة.
وأوضح ملاتسي أن إدراج اقتباسات مولدة بالذكاء الاصطناعي دون تحقق بشري كاف يمثل خللا جوهريا. وشددت رئيسة لجنة الاتصالات في البرلمان كوسيلا ديكو على أن استمرار التشاور حول وثيقة بهذا الشكل يهدد مصداقيتها. وتطرح هذه الحادثة سؤالا أوسع حول موقف القارة الأفريقية من تنظيم تكنولوجيا تؤثر على الاقتصادات والمجتمعات.
في يوليو، اعتمد المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في أكرا الغانية 'الإستراتيجية القارية للذكاء الاصطناعي'، وهي وثيقة طموحة تستند إلى 15 مبدأ أخلاقيا مستلهما من فلسفة 'أوبونتو'. لكن ورقة منشورة على موقع 'ريسيرتش غيت' تبرز مفارقة التنمية والحوكمة، حيث تتعايش الأطر الطموحة مع قيود تنفيذية حادة.
تظهر البيانات أن 83% من تمويلات الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي تتركز في أربع دول فقط هي كينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر. كما تخصص أغلب الحكومات الأفريقية أقل من 0.1% من ناتجها المحلي الإجمالي للقطاع الرقمي، في وقت تتجاوز فيه نسبة الديون 60% في العديد من دول جنوب الصحراء.
في المقابل، رسخ الاتحاد الأوروبي نموذجا تنظيميا 'أفقيا' يقوم على تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي وفق درجة المخاطر، بينما اعتمدت الصين مقاربة 'عمودية' تتوزع على قطاعات وأنواع تطبيقات، مما يبرز الفجوة بين الأنشطة التنفيذية الأوروبية وغياب توثيق مماثل للإنفاذ الصيني.
تكشف حادثة جنوب أفريقيا عن ثلاث عقبات رئيسية: ضعف القدرات داخل الإدارات الحكومية، انعدام التمويل المستدام، والتشتت بين النموذجين الأوروبي والصيني. وبذلك، يبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من مرحلة إنشاء الهياكل إلى مرحلة التنفيذ الفعلية بحلول عام 2028.

