خرجت القمة الصينية - الروسية بين الرئيس شي جينبينغ ونظيره فلاديمير بوتين في بكين برسائل سياسية واستراتيجية قوية. لكنها حملت اقتصادياً حصيلة أكثر تواضعاً مما كانت تأمله موسكو، خصوصاً في ملف الطاقة الذي يُعد جوهر العلاقة الاقتصادية بين البلدين منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية الواسعة على روسيا.
وقال الكرملين إن الجانبين توصلا إلى "تفاهم مبدئي" بشأن مشروع خط أنابيب الغاز العملاق "قوة سيبيريا 2"، الذي يعد حيوياً لإعادة توجيه صادرات الطاقة الروسية نحو السوق الصينية. ومع ذلك، لا يزال هناك غياب واضح لجدول زمني أو اتفاق نهائي حول التفاصيل الرئيسية، بما في ذلك تسعير الغاز.
ويمثل هذا التعثر خيبة أمل واضحة لروسيا، التي كانت تأمل في استغلال الزخم السياسي للقمة لدفع المشروع إلى مرحلة التنفيذ النهائي. وفي الوقت ذاته، يُفترض أن ينقل خط "قوة سيبيريا 2" نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً إلى الصين عبر منغوليا، لكنه لم يحقق التقدم المطلوب رغم سنوات من المفاوضات.
في المقابل، حققت موسكو تقدماً ملموساً في ملف النفط، الذي أصبح العمود الفقري للعلاقة الاقتصادية مع الصين. فقد أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن الصين أبدت اهتماماً كبيراً بزيادة وارداتها من النفط الخام الروسي وتأمين إمدادات طويلة الأجل، مشيراً إلى أن صادرات النفط الروسية إلى السوق الصينية ارتفعت بنسبة 10 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام.
تحمل هذه الأرقام أهمية كبيرة بالنسبة إلى الكرملين، حيث تعكس نجاح موسكو في تعويض جزء من خسائرها في الأسواق الأوروبية عبر التوسع في آسيا، خاصة في الصين التي أصبحت أكبر مشترٍ للنفط الروسي. كما يؤكد أن بكين، رغم حذرها في ملف الغاز، لا تزال ترى في النفط الروسي مصدراً مهماً ومرناً لتأمين احتياجاتها من الطاقة بأسعار تنافسية.
وجاءت تصريحات نوفاك بعد القمة مباشرة، في محاولة واضحة لتقديم نتائج ملموسة للزيارة. كما أكد الكرملين التوصل إلى تفاهمات جديدة بشأن التعاون النفطي والطاقة، في وقت يسعى فيه الطرفان إلى تعميق الترابط الاقتصادي بعيداً عن النظام المالي الغربي.
ورغم غياب الاختراق في ملف "قوة سيبيريا 2"، حاول الطرفان إبراز نجاحات أخرى في التعاون الاقتصادي، خصوصاً في مجالات الطاقة التقليدية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتجارة الثنائية. وشدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال القمة على أن بلاده لا تزال "مورداً موثوقاً للطاقة"، في إشارة إلى رغبة موسكو في تقديم نفسها بديلاً مستقراً نسبياً في سوق الطاقة العالمية المضطربة.
لكن اللافت أن بكين، رغم تأكيدها على أهمية التعاون في مجال الطاقة، تجنبت إعطاء إشارات واضحة بشأن تسريع مشروع "قوة سيبيريا 2"، مما عزز انطباع الأسواق بأن المفاوضات لا تزال بعيدة عن الحسم. في المقابل، برز ملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كأحد أهم المجالات التي حققت تقدماً خلال القمة، وذلك في ظل العقوبات الغربية التي دفعت روسيا إلى الاعتماد المتزايد على الصين في الحصول على الإلكترونيات والمكونات التقنية المتقدمة.
في هذا السياق، كشف الرئيس التنفيذي لبنك "سبيربنك" الروسي، جيرمان غريف، عن أن روسيا تأمل في تشغيل نموذج الذكاء الاصطناعي الروسي "غيغا تشات" باستخدام رقائق صينية، مما يعكس التحول المتسارع نحو التكنولوجيا الصينية لتعويض القيود الغربية على وصول موسكو إلى الرقائق المتقدمة.
لكن حتى في مجال التكنولوجيا، لا تزال هناك فجوة واضحة بين القدرات الصينية والأميركية. حيث أقر الرئيس التنفيذي لـ"سبيربنك" بأن الرقائق الصينية المتاحة لا تزال متأخرة مقارنة بالرقائق الأميركية المتقدمة، مما يعكس استمرار التفوق الأميركي في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
أظهرت القمة رغبة مشتركة في بناء شراكة تكنولوجية أكثر عمقاً، حيث دعا البيان المشترك إلى تعزيز التعاون الثنائي في مجالات البرمجيات مفتوحة المصدر والدفاع والتقنيات المتقدمة. كما دعم الجانبان اقتراح الصين إنشاء هيئة عالمية للذكاء الاصطناعي.
أما على مستوى التجارة الثنائية، فقد سعت القمة إلى إظهار أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لا تزال تتوسع رغم الضغوط العالمية. وأشار الكرملين إلى توقيع نحو 20 وثيقة تعاون جديدة، إلى جانب إعلان مشترك بشأن تعزيز "التنسيق الاستراتيجي الشامل". ومع ذلك، عكست القمة أيضاً حدود هذا التقارب الاقتصادي، حيث كانت الصين تؤكد رسمياً شراء 200 طائرة من شركة "بوينغ" الأميركية، مما يوحي بأنها لا تنوي التضحية بعلاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة لصالح شراكتها مع روسيا.
في المحصلة، يمكن القول إن قمة شي وبوتين نجحت سياسياً في تأكيد استمرار الشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا، لكنها اقتصادياً كشفت أيضاً عن حدود هذا التحالف. فموسكو حققت تقدماً في تعميق التعاون النفطي والتكنولوجي، لكنها فشلت في انتزاع الاتفاق الأهم بالنسبة لها في قطاع الغاز.

