تحول نظام المدفوعات الفورية البرازيلي "بيكس" خلال 6 سنوات من مشروع تقني أطلقه البنك المركزي إلى وسيلة الدفع الأكثر استخداما في أكبر اقتصاد بأمريكا اللاتينية. لكنه أصبح أيضا نقطة خلاف بين برازيليا وواشنطن.
النظام الذي يتيح تحويل الأموال خلال ثوان ومن دون رسوم على الأفراد خفض تكلفة المدفوعات ووسع الشمول المالي. لكنه اقتطع جزءا من سوق كانت تهيمن عليها شبكات البطاقات الأمريكية. مما دفع إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى اعتباره ممارسة تضر بالمنافسة.
تبحث واشنطن فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على بعض الصادرات البرازيلية بسبب ما تصفه بممارسات تجارية تمييزية. يأتي "بيكس" في مقدمتها. بينما تستعد البرازيل لانتخابات رئاسية بعد 3 أشهر.
امتد الخلاف إلى مصالح شركات البطاقات ومستقبل الدولار في المعاملات العابرة للحدود. والمنافسة بين الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ومنافسه فلافيو بولسونارو.
أطلق البنك المركزي البرازيلي "بيكس" في نهاية عام 2020 للتحويل المباشر بين الحسابات المصرفية على مدار الساعة. من خلال تطبيقات البنوك وشركات التكنولوجيا المالية.
يمكن للمستخدم إرسال الأموال خلال ثوان باستخدام رقم الهوية أو البريد الإلكتروني أو رمز خاص. بينما يستقبل التجار المدفوعات عبر رموز الاستجابة السريعة.
يمثل النظام 54% من إجمالي عمليات الدفع في البرازيل. وفقا لبيانات أوردتها وكالة الأنباء الفرنسية. ويستخدمه نحو 80% من السكان البالغ عددهم 212 مليون نسمة.
ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن عدد مستخدميه تجاوز 170 مليون شخص. ليصبح ثاني أكبر نظام للمدفوعات الفورية عالميا من حيث حجم المعاملات بعد النظام الهندي.
في مايو وحده، عالج "بيكس" نحو 7.9 مليارات عملية بقيمة 3.48 تريليونات ريال برازيلي (نحو 685.8 مليار دولار). كما ساعد أكثر من 70 مليون شخص على دخول النظام المالي في بلد يعاني تفاوتا واسعا في الوصول إلى الخدمات المصرفية.
يرجع جزء من نجاحه إلى انخفاض تكلفته. فالخدمة مجانية للأفراد وأصحاب الأعمال متناهية الصغر. بينما بلغ متوسط رسوم التجار نحو 0.22% من قيمة العملية. بحسب دراسة لبنك التسويات الدولية. مقابل أكثر قليلا من 1% لبطاقات الخصم و2.2% لبطاقات الائتمان.
قال الأستاذ في جامعة فلومينينسي الفيدرالية ماركو سانفينس إن أصحاب الأعمال الصغيرة كانوا يعتمدون على شركات البطاقات الكبرى ويدفعون رسوما مرتفعة. قبل أن يوفر لهم "بيكس" بديلا أقل تكلفة.
تقول إدارة ترمب إن البنك المركزي البرازيلي يجمع بين ملكية النظام وتشغيله وتنظيم قطاع المدفوعات. بما يمنحه أفضلية على الشركات الخاصة. كما تعترض على إلزام المؤسسات المالية التي يزيد عدد عملائها على نصف مليون بتقديمه. وإبرازه في الواجهة الرئيسية لتطبيقاتها. ومنعها من فرض رسوم على المستخدمين.
قال مكتب الممثل التجاري الأمريكي إن هذه المتطلبات تجبر مقدمي الخدمات الأمريكيين على الترويج لمنافس برازيلي من دون تعويض.
وصف السياسات المنظمة للنظام بأنها "غير عادلة وتمييزية". رغم عدم اقتراح إجراء مباشر ضده.
يظهر الأثر التجاري المحتمل في تراجع حصة بطاقات الائتمان من المعاملات في البرازيل من 23% عام 2020 إلى 15%. وفق مصدر حكومي.
يرى محلل القطاع المالي لدى ميزوهو دان دوليف أن "بيكس" يمثل بديلا مباشرا لبطاقات الخصم. ما يجعله مشكلة طويلة الأجل لشبكات البطاقات.
عكست التحقيقات الأمريكية مخاوف مجموعات ضغط تمثل شركات التكنولوجيا والمدفوعات.
تبرز هنا مفارقة؛ إذ رفضت إدارة ترمب دعوات لإنشاء نظام حكومي مماثل داخل أمريكا. بينما تعترض على نجاح النظام البرازيلي باعتباره دعما حكوميا لمنافس محلي.
لا يقتصر القلق الأمريكي على سوق البطاقات المحلية. إذ ترى البرازيل أن واشنطن تخشى تحول أنظمة مثل "بيكس" إلى شبكات عابرة للحدود تقلص الاعتماد على الدولار وشركات الوساطة الأمريكية.
تقول الحكومة البرازيلية إن "بيكس" ليس شركة وطنية محمية. بل بنية تحتية عامة مفتوحة للمؤسسات المالية والتقنية.
تضيف أن انخفاض تكلفة المدفوعات وسهولة استخدامها وسعا الاقتصاد الرقمي مما أفاد شركات أمريكية أيضا.
أشارت برازيليا إلى أن "غوغل باي" أكبر جهة مبادرة لعمليات الدفع داخل النظام. وأن شركة تابعة لـ"فيزا" حصلت على ترخيص للعمل من خلاله. في حين يؤكد البنك المركزي أن تنظيماته تستهدف الانفتاح والعدالة في جميع قطاعات المدفوعات.
تقول الحكومة إن انتشار "بيكس" لم يمنع زيادة عدد مستخدمي البطاقات منذ عام 2020. ما يعني أنه وسع سوق المدفوعات الرقمية بدلا من مجرد نقل المعاملات من الشبكات الأمريكية إلى نظام حكومي.
لا يقتصر القلق الأمريكي على سوق البطاقات المحلية. إذ ترى البرازيل أن واشنطن تخشى تحول أنظمة مثل "بيكس" إلى شبكات عابرة للحدود تقلص الاعتماد على الدولار وشركات الوساطة الأمريكية.
طورت الهند وكينيا ونيجيريا وكولومبيا أنظمة مشابهة. بينما ناقش البنك المركزي البرازيلي ربط "بيكس" بدول مجاورة. وقد يسمح اتصاله بشبكات تسوية غير غربية بإجراء معاملات دولية مباشرة من دون المرور بالبنية التقليدية للدفع بالدولار أو بشركات البطاقات.
اقترح السيناتور فلافيو بولسونارو، المنافس الرئيسي للولا، منع ربط "بيكس" بأنظمة التسوية العابرة للحدود غير الغربية. معتبرا أن ذلك قد يخفف مخاوف واشنطن.
قال في مذكرة إلى مكتب الممثل التجاري الأمريكي إن الرسوم الجمركية لن تعالج بنية النظام وقد تضر بالمصالح الاستثمارية الأمريكية. داعيا بدلا من ذلك إلى تشريع يمنع تكامله مع شبكات دفع غير غربية.
لكن المقترح فتح جبهة سياسية داخل البرازيل. إذ اتهم لولا منافسه بمحاولة "تسليم بيكس للمصالح الأجنبية". مؤكدا أن النظام "إنجاز برازيلي لن نتخلى عنه".
يبدو أن الخلاف تجاوز المنافسة بين "بيكس" وشركات البطاقات. ليصبح جزءا من نقاش أوسع حول من يملك البنية التحتية للمدفوعات الرقمية. ومن يستفيد من رسومها وتدفق بياناتها.
في وقت تتوسع فيه أنظمة الدفع الفوري في عدد متزايد من الاقتصادات الناشئة. قد تتحول تجربة البرازيل إلى نموذج يختبر قدرة الدول على بناء بدائل وطنية تنافس الشبكات المالية العالمية. من دون الاصطدام بالمصالح التجارية والجيوسياسية للقوى الكبرى.

