بدأت أسواق السندات الأميركية إرسال إشارات إنذار قوية ومتجددة إلى الاحتياطي الفيدرالي، حيث تؤكد أن مستويات الفائدة الحالية لم تعد مرتفعة بما يكفي لكبح جماح الاقتصاد الحامي والسيطرة على التضخم المتصاعد.
قالت تقارير إن التحرك العنيف في عوائد الخزانة يعكس قلق المستثمرين، حيث قفز العائد على السندات لأجل عامين - الذي يُعد مؤشراً قيادياً لسياسات الفيدرالي قصيرة الأجل - ليصل إلى 4.1 في المائة، وهو مستوى يتجاوز بوضوح الحد الأعلى للنطاق المستهدف الحالي للفيدرالي البالغ 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة.
وفي الوقت نفسه، اقترب العائد على السندات لأجل 10 سنوات - وهو مقياس رئيسي لتوقعات التضخم بعيد المدى - من حاجز 4.7 في المائة قبل أن يتراجع طفيفاً، فيما وصفه المحللون بـ"تهديد حراس السندات" بفرض تشديد نقدي ذاتي، في حال لم يتحرك البنك المركزي لفرض النظام في بيئة الاقتصاد الكلي.
تأتي هذه الضغوط البيعية في سوق السندات مدفوعة ببيانات اقتصادية حديثة تظهر عودة التضخم للاشتعال والاتساع في الولايات المتحدة، متأثراً بتداعيات الحرب المستعرة في منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز. وعلى جبهة الأسعار، قفزت أسعار الجملة (أسعار المنتجين) بنسبة 6 في المائة خلال شهر أبريل الماضي، مدفوعة بارتفاع تكلفة الطاقة.
رغم الضغوط الجيوسياسية وارتفاع أسعار الوقود، أظهر الاقتصاد الأميركي مرونة لافتة، حيث نمت الوظائف غير الزراعية بمقدار 115 ألف وظيفة في أبريل، مع تعديل بيانات شهر مارس صعوداً إلى 185 ألف وظيفة، مما يمهد الطريق لتعافي قطاع التوظيف بعد بداية متعثرة.
وعلى صعيد الاستهلاك، قفز مؤشر "ريدبوك" لمبيعات التجزئة بنسبة 8.9 في المائة للأسبوع المنتهي في 16 مايو، مواصلاً زخم الأسبوع الذي سبقه البالغ 9.6 في المائة، وهو ما يتجاوز بكثير متوسط عام 2025 البالغ 5.8 في المائة.
أدت هذه الديناميكيات المختلطة إلى تحول سريع ومفاجئ في توقعات أسواق المال، حيث تبخرت تماماً رهانات خفض أسعار الفائدة هذا العام، وحلت مكانها توقعات بالإبقاء على تكلفة الإقراض مرتفعة أو حتى الذهاب نحو جولة تشديد نقدي جديدة.
وفقاً لأداة "فيد ووتش" التابعة لمجموعة "سي إم إي"، تسعر الأسواق حالياً احتمالية تبلغ 41 في المائة لقيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة في اجتماع ديسمبر المقبل، مقارنة بـ30 في المائة فقط قبل أسبوع، في حين ارتفعت احتمالات الرفع في اجتماع أكتوبر إلى 35 في المائة.
أكدت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، آنا باولسون، أن تحركات الأسواق تتماشى تماماً مع رؤيتها الشخصية، قائلة: "التضخم مرتفع للغاية، وحتى قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط والقفزة الأخيرة لأسعار النفط والغاز، كانت الأسعار مرتفعة".
ترى باولسون، التي تمتلك حق التصويت في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة هذا العام، أن الإبقاء على الفائدة دون تغيير لفترة ممتدة أو رفعها إذا دعت الحاجة، هو الخيار الأمثل حالياً، مشددة على أن المسار الوحيد للخفض هو رؤية تراجع حقيقي ومستدام للتضخم.
تعكس تصريحات باولسون تحولاً هيكلياً أوسع داخل البنك المركزي الأميركي، إذ تخلت اللجنة عن انحيازها السابق لخفض الفائدة لصالح ما وصفه رئيس الفيدرالي بالإنابة، جيروم باول، بـ"المكان الأكثر حياداً"، مما يعني تثبيت أسعار الفائدة لفترة أطول.
أكد محضر اجتماع السياسة النقدية للفيدرالي لشهر أبريل هذا التوجُّه، حيث شدد أغلبية أعضاء اللجنة على أن زيادة أسعار الفائدة ستكون الخطوة المناسبة والضرورية إذا استمر التضخم في البقاء عنيداً وفوق المستهدفات.
تضع هذه المعطيات المعقدة رئيس الفيدرالي، كيفين وارش، تحت ضغط أسواق السندات ومشهد تضخمي غاية في التعقيد، خاصة بعد أن جادل في العام الماضي لصالح خفض الفائدة.
على الرغم من ذلك، قدم الرئيس دونالد ترمب "غطاءً سياسياً" غير متوقع لوارش، حيث صرح بأنه سيتركه "يفعل ما يريد القيام به"، معبراً عن ثقته في قدراته.

