حصلت الارجنتين على دفعة جديدة بقيمة مليار دولار من صندوق النقد الدولي. قال الرئيس خافيير ميلي إن هذه الخطوة تمنح الحكومة متنفسا اقتصاديا جديدا. وأضاف أن هذا الدعم يعكس في الوقت نفسه استمرار اعتماد البلاد المزمن على المؤسسة المالية الدولية بعد عقود من الأزمات والتعثرات.
أعلن صندوق النقد الدولي في وقت متأخر من مساء الخميس موافقته على صرف المبلغ بعد استكمال المراجعة الثانية لبرنامج الإنقاذ البالغ 20 مليار دولار. موضحا أن الحكومة الارجنتينية حققت تقدما قويا في الإصلاحات المالية والتجارية والعمالية. رغم استمرار التحديات المرتبطة بالاحتياطات الأجنبية والتضخم.
كشفت تقارير عن أن الاتفاق الحالي الممتد لأربع سنوات هو البرنامج الثالث والعشرين بين الارجنتين وصندوق النقد الدولي منذ خمسينات القرن الماضي. ما يعكس العلاقة المعقدة والطويلة بين الجانبين.
تاريخ طويل من الأزمات يعكس أن الارجنتين تعد واحدة من أكثر دول العالم ارتباطا ببرامج صندوق النقد. بعدما شهد اقتصادها سلسلة من الانهيارات المالية والتضخم المفرط والتخلف عن سداد الديون. وكانت الأزمة الأكبر في عام 2001 عندما أعلنت البلاد أكبر تعثر سيادي في العالم آنذاك.
في عام 2018 حصلت بوينس آيرس على قرض ضخم بقيمة 44 مليار دولار خلال حكم الرئيس المحافظ ماوريسيو ماكري. ورغم كون ذلك أكبر برنامج بتاريخ صندوق النقد، إلا أنه فشل في استعادة الاستقرار الاقتصادي. وعادت البلاد لاحقا إلى إعادة التفاوض مع الصندوق مجددا.
يهدف البرنامج الحالي إلى إعادة تمويل ذلك القرض المتعثر، مع منح حكومة ميلي مساحة لرفع القيود على رؤوس الأموال واستعادة الوصول إلى الأسواق الدولية.
منذ وصوله إلى السلطة، تبنى الرئيس الليبرالي خافيير ميلي سياسة اقتصادية شديدة التقشف تقوم على خفض الإنفاق الحكومي وتقليص الدعم وتحرير الأسواق. وقد نجحت الحكومة في تحقيق أول فائض مالي أولي منذ سنوات، كما تراجع معدل التضخم مقارنة بالمستويات القياسية السابقة.
أشار صندوق النقد إلى أن أداء الاقتصاد ظل متباينا حتى نهاية 2025، خصوصا بسبب بطء إعادة بناء احتياطات النقد الأجنبي. محذرا من أن الاقتصاد الارجنتيني لا يزال يواجه مواطن ضعف تتطلب مواصلة خفض التضخم وتحسين القدرة على الوصول إلى أسواق التمويل الدولية.
تظل الاحتياطات الأجنبية العقدة الأكثر حساسية في الاقتصاد الارجنتيني. إذ تعاني البلاد من نقص مزمن في الدولار نتيجة ضعف الصادرات وارتفاع الديون. وخلال المراجعة الأولى للبرنامج في يوليو، اضطر صندوق النقد إلى خفض أهداف تراكم الاحتياطات حتى عام 2026 بعد فشل الحكومة في تحقيق الأهداف الأصلية.
رغم تحسن ثقة الأسواق نسبيا بعد الإصلاحات الأخيرة، لا يزال المستثمرون يراقبون قدرة الحكومة على تعزيز الاحتياطات واستقرار سعر صرف البيزو. ويخشى اقتصاديون من أن يؤدي أي تراجع في الثقة أو تباطؤ سياسي إلى عودة الضغوط على العملة وارتفاع معدلات التضخم مجددا.
تواجه حكومة ميلي ضغوطا سياسية متزايدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. حيث تثير سياسات التقشف غضب قطاعات واسعة من المجتمع بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
على الرغم من نجاح الحكومة في تقليص العجز المالي، لا تزال نسب الفقر مرتفعة. كما تعاني الطبقة الوسطى من آثار خفض الدعم وارتفاع الأسعار. ويرى مراقبون أن ميلي يسعى لاستخدام دعم صندوق النقد ورقة لتعزيز الثقة الدولية ببرنامجه الاقتصادي.
ورغم التفاؤل الحذر الذي أبداه صندوق النقد، تبقى الشكوك قائمة بشأن قدرة الارجنتين على الخروج من الحلقة التاريخية المتمثلة في الاقتراض والأزمات وإعادة الهيكلة. حيث تعثرت غالبية البرامج السابقة بسبب ضعف النمو أو الأزمات السياسية أو انهيار العملة.
ترهن حكومة ميلي على أن الإصلاحات الجذرية الحالية قد تمنح البلاد فرصة مختلفة هذه المرة، ولو بتكلفة اجتماعية وسياسية مرتفعة. بينما يعتقد منتقدو الحكومة أن الاعتماد المستمر على قروض صندوق النقد يبقي الاقتصاد الارجنتيني رهينة للديون والتقشف.

