فقد النمو الاقتصادي في الصين زخمه بشكل ملحوظ خلال شهر أبريل. حيث سجل الإنتاج الصناعي ومبيعات التجزئة أرقاماً جاءت دون التوقعات بكثير.
ويأتي هذا التراجع الحاد ليوجه ضربة قوية لآفاق تعافي ثاني أكبر اقتصاد في العالم. في وقت تكافح فيه البلاد لمواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. بالتزامن مع استمرار ضعف الطلب المحلي المستمر منذ فترة طويلة.
وعلى الرغم من أن الصادرات الصينية التي جاءت أفضل من المتوقع. إلى جانب قيود تسعير الوقود المحلية التي تفرضها بكين. قد ساعدتا في تخفيف حدة صدمة الطاقة الحالية. إلا أن ارتفاع تكاليف المدخلات بات يهدد بتآكل هوامش أرباح المصانع الضعيفة أصلاً. ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا النزاع العسكري قد يؤدي إلى مزيد من الإحباط للإنفاق الاستهلاكي في البلاد إذا ما طال أمد الصراع.
أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء في الصين أن الإنتاج الصناعي نما بنسبة 4.1 في المائة في أبريل على أساس سنوي. مقارنة بارتفاع بلغ 5.7 في المائة في شهر مارس.
وجاءت هذه الأرقام المخيبة للآمال لتبتعد كثيراً عن توقعات استطلاع الرأي الذي أجرته وكالة "رويترز". والذي كان يشير إلى نمو بنسبة 5.9 في المائة. مما يمثل أبطأ وتيرة نمو للإنتاج الصناعي الصيني منذ شهر يوليو.
وفي تعليقه على هذه الأرقام. قال جيفري تشانغ. الرئيس وكبير الاقتصاديين في مؤسسة "بينبوينت" لإدارة الأصول: "إن الأداء القوي لقطاع التصدير ساعد جزئياً في تخفيف حدة الضعف الذي يشهده الطلب المحلي. لكنه لم يكن كافياً على الإطلاق للتعويض عن هذا الانكماش بشكل كامل".
وقد تسارعت حركة الصادرات الصينية في أبريل مع مسارعة المصانع لتلبية موجة عارمة من الطلبات القادمة من الصناعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. إلى جانب سعي مشتريين آخرين لتخزين المكونات والقطع الحيوية خوفاً من أن تؤدي الحرب في إيران إلى دفع تكاليف المدخلات العالمية لمستويات أعلى.
وأضاف تشانغ أنه لا يتوقع أن تغير الحكومة الصينية نهجها السياسي أو تتدخل على الفور بناءً على بيانات شهر واحد فقط. مرجحاً أن تقوم بكين بإعادة تقييم موقفها في شهر يوليو المقبل عند صدور بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني.
من جهة أخرى. كشفت البيانات عن تراجع حاد في مبيعات التجزئة – التي تعد المقياس الأساسي لمستوى الاستهلاك الفردي – حيث ارتفعت بنسبة ضئيلة جداً بلغت 0.2 في المائة فقط في أبريل. وهو تباطؤ قاصٍ مقارنة بنسبة النمو المسجلة في مارس عند 1.7 في المائة. ويمثل هذا الرقم أضعف مكسب للمبيعات منذ ديسمبر. كما جاء أقل بكثير من متوسط التوقعات التي كانت تتمحور حول زيادة بنسبة 2 في المائة.
ولا يزال الاستهلاك العائلي في الصين هشاً للغاية؛ إذ انخفضت مبيعات السيارات المحلية بنسبة 21.6 في المائة في أبريل مقارنة بالعام السابق. لتسجل بذلك الشهر السابع على التوالي من التراجع. على الرغم من تكثيف شركات صناعة السيارات جهودها للتوسع في الأسواق الخارجية للتعويض عن الركود الداخلي الشديد.
وأوضح يوهان تشانغ. الاقتصادي الرئيسي في مركز الصين التابع لمؤسسة "كونفرنس بورد". أن نمو مبيعات التجزئة في الأشهر الأربعة الأولى من العام يشير إلى استمرار ضعف الطلب العائلي. حيث يركز المستهلكون إنفاقهم على فئات انتقائية وتحديثات تكنولوجية محددة بدلاً من الاستهلاك الواسع النطاق.
ومما زاد من قتامة المشهد الاقتصادي. انكمش الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 1.6 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام. مقارنة بارتفاع بنسبة 1.7 في المائة في الفترة من يناير إلى مارس. وهو ما جاء مخيباً للتوقعات التي كانت تشير إلى توسع بنسبة 1.6 في المائة.
وتقدم أرقام شهر أبريل مؤشرات مبكرة على أن الزخم الذي حققه الاقتصاد الصيني في الربع الأول بدأ يتلاشى بالفعل. ورغم أن قطاع العقارات المأزوم واستمرار تراجعه الطويل لا يزال يمثل عبئاً ثقيلاً على النمو. فإن الصراع المسلح في الشرق الأوسط قد عرّض الاقتصاد لمخاطر خارجية داهمة في وقت يعاني فيه الاستهلاك الداخلي من الضعف الشديد.
تأتي هذه البيانات القاتمة مباشرة بعد اختتام الرئيس الأميركي دونالد ترمب لزيارة الدولة التي قام بها إلى الصين. وعلى الرغم من أن القمة لم تسفر عن مفاجآت كبرى. إلا أنها نجحت في تهدئة العلاقات المتوترة بين أكبر اقتصادين في العالم.
وكان الاقتصاد الصيني قد نما بنسبة 5.0 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى من العام. مستقراً عند الحد الأعلى للنطاق المستهدف للحكومة للعام بأكمله. ومع ذلك. حذر المحللون مراراً وتكراراً من أن هذا التعافي يستند إلى أرضية غير مستقرة وغير متوازنة.
وفي مواجهة هذه الصدمات الخارجية. تعهد كبار القادة الصينيين بتعزيز أمن الطاقة في البلاد. وتسريع وتيرة الاكتفاء الذاتي التكنولوجي. والسعي لفرض سيطرة أكبر على سلاسل التوريد.
وجدد المكتب السياسي للحزب الحاكم التأكيد على تبني سياسة مالية "استباقية" وسياسة نقدية "فضفاضة ومناسبة". مما يشير بوضوح إلى عدم وجود خطط حكومية فورية لضخ حزم تحفيز إضافية في الوقت الراهن.

