اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

صناعة الدواء في العراق تواجه تحديات كبيرة رغم نموها

{title}

شهد الطلب على الأدوية والخدمات الصحية في العراق زيادة ملحوظة. ومع ذلك، فإن الصناعة الدوائية المحلية تواجه صعوبات كبيرة في الحصول على حصة أكبر من سوق يقدر بنحو 5 مليارات دولار، حيث تذهب معظم العائدات إلى المنتجات المستوردة. هذا الوضع يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود توطين هذا القطاع الاستراتيجي الهام للاقتصاد الوطني.

كشف تقرير لمراسل الجزيرة في بغداد، سامر الكبيسي، أن العراق يستهلك أدوية ومستحضرات طبية تصل قيمتها إلى 5 مليارات دولار سنوياً، حيث تشكل المنتجات المستوردة حوالي 90% من إجمالي السوق، سواء عبر القنوات الرسمية أو من خلال التهريب. هذا الأمر يترك حصة محدودة للمنتج المحلي ويكرس اعتماد البلاد على الخارج لتأمين احتياجاتها الدوائية.

لا يرتبط هذا الواقع بحجم الإنتاج فقط، بل يتعلق أيضاً بثقة المستهلك. أوضح مختصون في سوق الدواء أن جزءاً من المستهلكين لا يزال يفضل المستحضرات المستوردة على نظيرتها المحلية، خصوصاً مع انتشار أدوية غير خاضعة للرقابة الكافية في بعض منافذ التوزيع، مما يزيد من تعقيد المشهد ويؤثر على تنافسية الصناعة الوطنية.

في هذا السياق، أضاف وضاح فاضل، مدير مبيعات أدوية بإحدى شركات الأدوية، أن السيطرة الكاملة على سوق الدواء تعتبر أمراً صعباً، لكنه أكد أن حجم الأدوية المهربة انخفض بشكل كبير مقارنة بالسنوات السابقة، معتبراً أن الإجراءات التي اتخذتها وزارة الصحة ساهمت في تقليص هذه الظاهرة وتعزيز الرقابة على السوق.

رغم ذلك، تشير مؤشرات القطاع إلى أن الصناعة الدوائية العراقية تشهد تطوراً تدريجياً خلال السنوات الأخيرة. في المصانع المنتشرة في عدد من المحافظات، يعمل مئات الموظفين والفنيين لإنتاج أصناف متنوعة من الأدوية والمستلزمات الطبية، ضمن مساعٍ حكومية وقطاعية لتعزيز الاكتفاء المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات.

أظهرت بيانات القطاع أن الإنتاج المحلي حقق نمواً ملحوظاً خلال الأعوام الماضية، ولكنه لا يزال يغطي نحو ثلث احتياجات السوق فقط، مما يكشف عن فجوة كبيرة بين الطلب المحلي والطاقة الإنتاجية المتاحة.

في هذا الإطار، أكد علي خليل إبراهيم، مدير تنفيذي لأحد مصانع الأدوية، أن المصانع العراقية تمتلك اليوم مقومات نجاح كبيرة على المستويات المالية والفنية والعلمية، مشيراً إلى أن المنتج المحلي أصبح أكثر قدرة على المنافسة، لكنه يحتاج إلى بيئة تشريعية أكثر مرونة تسمح له بالوصول إلى مستويات أعلى من التطور والإنتاج.

شدد مسؤولون في القطاع الصناعي على أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الإمكانات الإنتاجية بقدر ما ترتبط بالإطار التشريعي والتنظيمي الذي يحكم عمل القطاع. أكثر من 20 مصنعاً للأدوية تعمل حالياً في العراق باستخدام تقنيات إنتاج حديثة، ولكن هذه المصانع تخضع لقوانين وتعليمات يصفها العاملون في القطاع بأنها لم تعد تواكب التحولات العالمية أو احتياجات السوق المحلية المتنامية.

أحمد علي إبراهيم، رئيس الرابطة العراقية لمنتجي الدواء، أكد على ضرورة تحديث القوانين المنظمة للصناعة الدوائية وإشراك المنتجين في صياغتها ومتابعة تنفيذها. الوصول إلى صيغة متوازنة بين الاستيراد والإنتاج المحلي يتطلب الاستماع إلى رؤية المصنعين والاستفادة من خبراتهم الميدانية.

يعتبر منتجو الأدوية أن تحديث التشريعات يمثل شرطاً أساسياً لدفع الصناعة إلى مرحلة جديدة من النمو، خاصة في ظل الحاجة إلى إيجاد توازن بين الاستيراد والإنتاج المحلي، بما يضمن حماية المنتج الوطني من جهة، والحفاظ على انسيابية توفير الأدوية للمستهلك من جهة أخرى.

كما يطالب المصنعون بإشراكهم بصورة أكبر في صياغة القوانين والأنظمة الخاصة بالقطاع، باعتبارهم الطرف الأكثر احتكاكاً بالتحديات التشغيلية والاستثمارية التي تواجه الصناعة. تطوير البيئة التشريعية سيسهم في رفع الطاقة الإنتاجية وتحسين جودة المنتجات وتعزيز القدرة التنافسية للمصانع العراقية.

تتجاوز أهمية هذا الملف البعد الصناعي البحت، إذ يرتبط مباشرة بالأمن الدوائي للبلاد وتقليص فاتورة الاستيراد، فضلاً عن توفير فرص عمل جديدة وتنشيط الاستثمارات المحلية في قطاع حيوي يشهد نمواً متواصلاً على المستوى العالمي.

مع استمرار توسع الطلب على الأدوية في العراق، تبدو الصناعة الدوائية المحلية أمام فرصة كبيرة للتحول إلى أحد القطاعات الإنتاجية الواعدة. ولكن تحقيق هذا الهدف يبقى رهناً بقدرة الجهات المعنية على معالجة التحديات التشريعية والتنظيمية وتعزيز ثقة المستهلك بالمنتج الوطني، وخلق بيئة تنافسية تتيح للمصانع المحلية زيادة مساهمتها في سوق لا يزال معتمداً بشكل كبير على الواردات الخارجية.