صيدا – في ظل تصاعد التوترات الأمنية في جنوب لبنان واتساع رقعة الإخلاءات في عدد من القرى الزراعية، تتكشف تداعيات اقتصادية تتجاوز حدود الحقول الجنوبية لتطال الأمن الغذائي في البلاد. وتمتد إلى قطاع الصناعات الغذائية الذي يعتمد بصورة أساسية على الإنتاج الزراعي المحلي كمادة خام رئيسة.
ما يجري في القرى الزراعية الجنوبية لا يمكن قراءته كأزمة محلية معزولة بل كحلقة مركزية في سلسلة اقتصادية مترابطة تمتد من المزارع إلى المصانع. ومن الأسواق الشعبية إلى موائد اللبنانيين. في بلد يرزح أساسا تحت ضغوط اقتصادية ومعيشية خانقة.
وأدت أوامر الإخلاء والعمليات العسكرية إلى تعطيل شبه كامل للمواسم الزراعية في عدد من بلدات الجنوب المعروفة بإنتاجها، خصوصا في السهل الساحلي الممتد من الناقورة إلى القاسمية. والذي يعد من أهم السلال الغذائية في لبنان من الخضراوات والحمضيات.
في سوق الجملة في صيدا، تعكس حركة البيع والشراء عمق الأزمة. إذ تبدو الحركة خجولة مقارنة بما كانت عليه سابقا. بعدما كان يستقبل يوميا أكثر من 100 شاحنة من الخضراوات والفواكه القادمة من الجنوب، قبل أن تتراجع الكميات إلى حد كبير.
يقول تاجر الخضار حسام الألطي إن الأضرار تتفاقم يوما بعد يوم، في ظل استمرار المخاطر التي تواجه المزارعين أثناء توجههم إلى أراضيهم. موضحا أن كثيرين يضطرون إلى المجازفة للوصول إلى حقولهم، فيما يعود آخرون من دون القدرة على متابعة أعمالهم.
ويشير إلى أن محاصيل موسمية حساسة مثل البطيخ والخضراوات تكبدت خسائر كبيرة نتيجة تعذر العناية اليومية بها. مؤكدا أن هذه الزراعات تحتاج متابعة مستمرة لا يمكن تأمينها في الظروف الراهنة.
ويضيف الألطي أن تراجع الإنتاج انعكس مباشرة على الأسواق اللبنانية، حيث ارتفعت أسعار الخضراوات نتيجة نقص المعروض. لافتا إلى أن الجنوب يشكل أحد أبرز مصادر الخضار في البلاد.
من جهته، يقول تاجر الفواكه حسن خليفة إن أسعار الفواكه شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة، نتيجة تراجع وصول المزارعين إلى بساتينهم. ما أدى إلى انخفاض الإنتاج مقابل طلب لم يعد يغطيه العرض.
ويقدر خليفة نسبة الارتفاع بنحو 50% في المتوسط، مع تسجيل زيادات أكبر في بعض الأصناف. ويشير إلى ارتفاع سعر الحامض من نحو 50 ألف ليرة إلى قرابة 100 ألف ليرة، والليمون من 50 إلى 60 ألف ليرة إلى نحو 100 ألف ليرة. فيما تضاعف سعر بعض أنواع ليمون العصير من 25 ألف ليرة إلى 50 ألف ليرة.
وبحسب خليفة، فإن هذا الارتفاع لا يعكس أزمة إنتاج فقط بل اضطرابا في سلسلة الإمداد من الحقول إلى الأسواق. في ظل ظروف أمنية ولوجستية تعيق حركة البضائع.
في الأسواق أيضا، يؤكد تاجر الخضراوات والفواكه أحمد صالح أن القطاع الزراعي يعيش واحدة من أصعب مراحله. مشيرا إلى أن الأزمة تجاوزت الخسائر الموسمية لتتحول إلى تهديد بنيوي.
ويضيف أن نسبة كبيرة من الخضراوات في الأسواق اللبنانية مصدرها الجنوب. إلا أن صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية أدت إلى تراجع الإنتاج بشكل حاد، بالتوازي مع نقص في اليد العاملة التي غادرت القطاع بفعل المخاطر.
ويشير صالح إلى أن الخسائر لم تعد تقتصر على محاصيل غير محصودة، بل تشمل استثمارات كاملة في مواسم زراعية انهارت قبل جنيها. مقدرا حجمها بمئات آلاف الدولارات للمزارعين في المناطق المتضررة.
ويحذر من أن التداعيات الأعمق لهذه الأزمة ستظهر لاحقا، بعد انحسار الحرب، مع اتضاح أثر فقدان المواسم على الدورة الاقتصادية المحلية.
بعيدا عن الحقول والأسواق، ينعكس التراجع الزراعي مباشرة على قطاع الصناعات الغذائية في لبنان. ولا سيما المصانع التي تعتمد على الإنتاج المحلي الطازج مثل المعلبات والعصائر والمخللات.
ومع انخفاض توريد المواد الخام من الجنوب، تواجه هذه المصانع ارتفاعا في كلفة الإنتاج واضطرارا للبحث عن بدائل مستوردة. ما يرفع أسعار المنتجات النهائية ويضعف تنافسية الصناعة المحلية.
يقول صاحب مصنع "الأخضر للمخللات" خليل الأخضر إن استمرار هذا التراجع سيؤدي إلى خلل في سلاسل التوريد، وقد يدفع إلى تقليص الإنتاج أو العمل بأقل من القدرة التشغيلية. في ظل ارتفاع كلفة المواد الأولية والنقل والطاقة.
من جهة أخرى، يقول سليم الزعتري رئيس نقابة تجار سوق الخضراوات والفاكهة بالجملة في مدينة صيدا إن الحرب وجهت ضربة قاسية للقطاع الزراعي في الجنوب. بعدما بات آلاف المزارعين عاجزين عن الوصول إلى بساتينهم أو جني محاصيلهم التي تقدر قيمتها بعشرات ملايين الدولارات.
ويضيف الزعتري أن الأزمة لم تعد زراعية فقط بل امتدت إلى منظومة اقتصادية كاملة تشمل النقل والتسويق والتخزين والصناعات الغذائية. مشيرا إلى أن ارتفاع كلفة النقل ونقص اليد العاملة فاقما من حدة الأزمة.
وفي القرى الجنوبية، تتجسد الأزمة بأكثر صورها قسوة. يقول المزارع أبو محمد من بلدة البازورية إنه لم يتمكن هذا العام من جني محصوله الزراعي بسبب تعذر الوصول إلى أرضه في مرحلة الحصاد.
ويضيف أنه استثمر كامل مدخراته في الموسم الزراعي على أمل تعويض خسائر سابقة. إلا أن الظروف الأمنية حالت دون جني المحصول بالكامل.
وتعكس هذه الشهادة واقعا يواجهه قطاع الزراعة، الذي شكل تاريخيا إحدى ركائز الأمن الغذائي للبنان. ليواجه اليوم اختبارا وجوديا. فيما تتسع دوائر التأثير لتشمل الصناعة والتجارة والمستهلك في آن واحد.
وفي ظل غياب خطط دعم واضحة للمزارعين أو آليات تعويض فعالة، تتزايد المخاوف من تحول هذه الخسائر الموسمية إلى تراجع دائم في الإنتاج الزراعي. بما ينعكس على قدرة لبنان على تأمين احتياجاته الغذائية من الداخل في المرحلة المقبلة.

