يواجه البنك المركزي الهندي هذا الأسبوع أحد أصعب قرارات أسعار الفائدة في السنوات الأخيرة. وأوضح أن هذا يأتي في ظل مزيج ضاغط من صدمة الطاقة في الشرق الأوسط وتراجع العملة المحلية وضعف موسم الأمطار، مما يهدّد بتقليص النمو وتسريع التضخم. وأشار إلى تصاعد الضغوط في أسواق الدين مع ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.
وكشفت البيانات أن الروبية هبطت إلى مستويات قياسية منذ اندلاع الحرب الإيرانية؛ إذ أدّى الارتفاع الحاد في أسعار النفط الخام إلى توجيه ضربة قوية إلى ثالث أكبر اقتصاد في آسيا الذي يعتمد على واردات تغطّي نحو 90 في المئة من احتياجاته النفطية. وأظهر أن رفع سعر إعادة الشراء من مستواه الحالي البالغ 5.25 في المئة قد يُسهم في دعم العملة، لكنه قد يثير في المقابل مخاوف أسواق السندات التي ترى أن هناك مجالاً لبقاء السياسة النقدية دون تغيير ما دام التضخم ضمن النطاق المستهدف.
قال كبير الاقتصاديين لشؤون الهند في قسم الأبحاث العالمية لدى بنك أوف أميركا، إن بنك الاحتياطي الهندي يواجه معضلة صعبة خلال اجتماعه المقرر. وأشار إلى أن الضغوط الاقتصادية وتعقّد خيارات السياسة النقدية تتمثل في اختيار بين الاستجابة لضغوط السوق أو المعطيات الاقتصادية. وأضاف أن الإبقاء على سعر الفائدة مع تبني لهجة متشددة قد يكون الخيار الأمثل، مع إظهار استعداد البنك لمراقبة استقرار سعر الصرف دون إشارات قلق مفرطة.
وتشير استطلاعات إلى أن نحو 80 في المئة من أصل 56 اقتصادياً يتوقعون أن يُبقي البنك المركزي سعر إعادة الشراء دون تغيير عند 5.25 في المئة في ختام اجتماعه الممتد لثلاثة أيام. في المقابل، توقع 11 خبيراً اقتصادياً رفعاً بواقع 25 نقطة أساس، فيما توقع خبير واحد زيادة أكبر تبلغ 50 نقطة أساس. وكان البنك قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير منذ ديسمبر بعد خفضه بمقدار 125 نقطة أساس العام الماضي.
تُظهر تسعيرات مقايضات أسعار الفائدة أن الأسواق ترجّح تشديداً بنحو 100 نقطة أساس خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة. وأشار إلى أن ارتفاع مقايضات الليلة الواحدة بنحو 65 نقطة أساس منذ مارس في إعادة تسعير أكثر حدة مقارنة بسوق السندات. حيث ارتفعت عوائد السندات لأجل عشر سنوات بنحو 37 نقطة أساس خلال الفترة نفسها. ورغم أن التضخم المعتدل حالياً يمنح البنك مساحة من المرونة، يرى بعض المحللين أن دعم الروبية قد يتطلب تدخلاً نقدياً في وقت أقرب.
كما عزّزت تحركات البنوك المركزية في دول مستوردة للنفط، مثل إندونيسيا والفلبين، توقعات بأن الهند قد تضطر لاحقاً إلى مسار مشابه. وأوضح أن البنك الاحتياطي الهندي لا يفضّل استخدام السياسة النقدية لدعم العملة. ولفت إلى أن رفع الفائدة بشكل استباقي قد يكون الخيار الأكثر منطقية في الوقت الراهن. وأكد أن الروبية، التي تراجعت بنحو 5.4 في المئة هذا العام، تُعدّ من بين أسوأ العملات أداءً في آسيا.
وتوقع محللون أن يعمد البنك المركزي إلى مراجعة توقعاته للتضخم والنمو في ظل ارتفاع أسعار النفط وتراجع موسم الأمطار. وأشاروا إلى مخاوف من تسجيل أدنى مستويات هطول الأمطار منذ 11 عاماً، مما قد يضغط على أسعار الغذاء ويزيد تعقيد مشهد السياسة النقدية. وأفادت التقارير أن التضخم قد يتسارع إلى نحو 4.9 في المئة، فيما قد يتباطأ النمو إلى 6.6 في المئة، مع ارتفاع حالة عدم اليقين وتعدد مسارات التضخم المحتملة.
قال مستثمرون ومصرفيون تجاريون إن الشركات الهندية ومؤسسات الإقراض غير المصرفية شرعت في إبطاء وتيرة جمع التمويل عبر إصدار السندات. وأوضح أن هذا جاء بعد ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها في سبع سنوات. وأظهرت بيانات أن عوائد سندات الشركات المصنفة ارتفعت إلى ما فوق 8 في المئة الأسبوع الماضي. وخلال مايو، ارتفع عائد سندات الشركات لأجل عامين بنحو 40 نقطة أساس، في حين صعدت العوائد في شريحة من ثلاث إلى خمس سنوات بنحو 30 نقطة أساس.
ويعزو محللون هذا الارتفاع إلى توقعات رفع أسعار الفائدة وتشديد أوضاع السيولة من قِبل بنك الاحتياطي الهندي. وأظهرت البيانات أن الشركات الهندية جمعت نحو 1.07 تريليون روبية خلال شهري أبريل ومايو، وهو أدنى مستوى للفترة نفسها منذ عام 2022. وأكد مصرفيون استثماريون أن حجم الإصدارات المتوقعة خلال الشهرين المقبلين يبدو محدوداً.
قال المؤسس والشريك الإداري في شركة للاستشارات المالية إن الارتفاع الحاد في عوائد السندات يرفع تكاليف الاقتراض ويؤخر خطط التمويل لدى العديد من الجهات المصدرة. وأشار إلى أن البيئة الحالية قد تدفع الشركات إلى التحول نحو السندات ذات الفائدة المتغيرة، والاقتراض قصير الأجل، والقروض المصرفية، بدلاً من الاعتماد على التمويل طويل الأجل. كما أظهر أحدث بيانات البنك المركزي أن الائتمان المصرفي الموجه إلى شركات التمويل غير المصرفية قفز بنحو 28 في المئة.
وقال الرئيس التنفيذي لبنك إن عدداً من الشركات بدأ بالفعل التحول نحو القروض المصرفية. وأكد أن الطلب كان في السابق موزعاً بين السندات والقروض، في حين يتركز حالياً بشكل أكبر على القروض.

