بدأت الأسواق العقارية في السعودية تسجيل مؤشرات واضحة على تراجع الضغوط التضخمية. قال خبراء إن هذا التراجع مدفوع بحزمة من الإجراءات الحكومية التنظيمية والتنفيذية التي استهدفت زيادة المعروض والحد من الاكتناز وإعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب.
يأتي هذا التحول الهيكلي ليعكس مساعي المملكة المستمرة لإعادة تشكيل القطاع العقاري وتعزيز استقراره. بعد طفرة من الارتفاعات السعرية المتفاوتة التي تلت مرحلة جائحة كورونا، تراجع التضخم العقاري في السعودية إلى سالب 0.7 في المائة في الربع الرابع من عام 2025 من 3.6 في المائة في الربع الرابع من 2024 مدعوماً بالتدخلات الحكومية الرامية إلى رفع كفاءة السوق. وأظهرت أحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء انخفاض الرقم القياسي لأسعار العقارات بنسبة 1.6 في المائة على أساس سنوي، مدفوعاً بتراجع أسعار القطاع السكني بنسبة 3.6 في المائة، في حين سجل القطاع التجاري نمواً سنوياً بلغ 3.4 في المائة.
جاء هذا التصحيح السعري بالتزامن مع سلسلة من التدخلات الحكومية التي استهدفت معالجة اختلالات السوق. وفي خطوة بارزة لتهدئة الأسعار في العاصمة، سمحت الحكومة بالبيع والشراء والتطوير في أربع مناطق شمال الرياض بمساحة تتجاوز 81 كيلومتراً مربعاً. تهدف هذه الخطة إلى توفير ما يصل إلى 40 ألف قطعة أرض سنوياً للمواطنين خلال السنوات الخمس المقبلة، بأسعار مستهدفة لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع.
أكد الرئيس التنفيذي لشركة "منصات العقارية"، خالد المبيض، أن الإصلاحات الأخيرة نقلت السوق من مرحلة النمو السعري العشوائي والسريع إلى مرحلة أكثر توازناً واستدامة. وأوضح أن زيادة المعروض وتنظيم الإيجارات والحد من الاحتفاظ غير المنتج بالأراضي بدأت تنعكس فعلياً على سلوك السوق، خصوصاً في المدن ذات الطلب المرتفع. وأضاف المبيض أن فرض الرسوم على الأراضي والعقارات الشاغرة دفع الملاك غير النشطين إلى التطوير أو البيع أو التأجير، مما حدّ من المضاربات ورفع كفاءة استخدام الأصول العقارية.
قال الخبير العقاري أحمد فقيه إن القرارات الحكومية جاءت في شكل جرعات علاج مدروسة بعد دراسة عميقة لعناصر السوق. وأوضح أن السكن يمثل المكون الأعلى وزناً في مؤشر التضخم، وبالتالي فإن تهدئة هذا القطاع تنعكس مباشرةً على مستويات التضخم الكلية. وتوقع أن تستمر مفاعيل هذه القرارات في الظهور بشكل أوضح خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً.
صعّدت الحكومة إجراءاتها تجاه الأراضي غير المطورة عبر رفع الرسوم على الأراضي البيضاء إلى 10 في المائة سنوياً بدلاً من 2.5 في المائة. كما جرى إدراج العقارات الشاغرة للمرة الأولى ضمن نطاق الرسوم على الأراضي والمباني التي تتجاوز مساحتها 5 آلاف متر مربع. يهدف هذا الإجراء إلى تقليص جدوى "الاكتناز" والدفع بمزيد من الوحدات إلى السوق.
يرى فقيه أن المضاربات كانت تتركز بشكل رئيسي في الأراضي الواقعة ضمن المخططات الطرفية، موضحاً أن رفع رسوم الأراضي البيضاء شكّل نقطة تحول في سلوك المستثمرين داخل السوق. كما أشار إلى أن رسوم العقارات الشاغرة ستسهم أيضاً في الحد من المضاربات على المنتجات السكنية.
بدأت السوق العقارية التفاعل مع الاعتماد الرسمي للائحة التنفيذية للرسوم السنوية على العقارات الشاغرة، حيث أقرت اللائحة تطبيق رسوم تصل إلى 5 في المائة من قيمة المبنى غير المستغل داخل النطاق العمراني المعتمد. يهدف هذا الإجراء إلى رفع كفاءة استغلال الأصول العقارية وتحفيز نمو المعروض داخل المدن.
امتدت السياسات التنظيمية لتشمل سوق الإيجارات؛ حيث وافق مجلس الوزراء السعودي على تجميد أي زيادات سنوية في الإيجارات لمدة خمس سنوات داخل نطاق العاصمة الرياض. أشار المبيض إلى أن هذا القرار غيّر سلوك المستثمرين وأدى إلى تركيزهم على التطوير والتشغيل بدلاً من انتظار الارتفاعات السعرية المفتعلة.
قال المبيض إن هذه الإجراءات غيّرت سلوك المستثمر من انتظار الارتفاعات السعرية إلى التركيز على التطوير وتحقيق العوائد المستدامة. وأكد أن تجميد زيادات الإيجارات في الرياض بعث برسالة واضحة بشأن توجه السوق لضبط التضخم وتحقيق توازن أكبر بين المالك والمستأجر.
يرى فقيه أن القرارات التنظيمية ستقود إلى إعادة تموضع للمطورين والمستثمرين داخل السوق، عبر توجيه الاستثمارات نحو زيادة المعروض واستغلال الفرص الجديدة.
حققت السوق قفزات ملموسة في البنية التحتية؛ إذ تجاوزت الوحدات المعلنة في نظام التسجيل العيني للعقار 4 ملايين عقار حتى نهاية عام 2025. كما تم إصدار أكثر من 1.2 مليون صك عقاري مطوّر، وُثِّق أكثر من 3.2 مليون عقد إيجار عبر منصة "إيجار".
أشار المبيض إلى أن هذه الأرقام تعكس قفزة في مستويات الشفافية وتقليص الاجتهادات الفردية بفضل وضوح البيانات. وذكر فقيه أن المملكة تقدمت 11 مرتبة عالمياً في مؤشرات الشفافية العقارية الدولية.
كشف تقرير "رؤية 2030" لعام 2025 استمرار نمو محفظة التمويل العقاري للأفراد؛ حيث قفز إجمالي القروض العقارية القائمة للأفراد إلى 904 مليارات ريال بنهاية عام 2025. أكد المبيض أن السوق لم تعد تتحرك بدافع التمويل فحسب، بل أصبحت أكثر تأثراً بمحددات المعروض والأنظمة وجودة المنتج.
أثمرت هذه التحولات الهيكلية عن رفع عدد الأسر السعودية التي تملكت مساكنها إلى أكثر من 851 ألف أسرة بنهاية عام 2025، مقارنةً بنحو 63 ألف أسرة فقط في عام 2019. توقع المبيض أن تتجه السوق العقارية السعودية إلى مرحلة استقرار طويلة الأجل قائمة على النضج والبيانات.
خلص فقيه إلى أن المنظومة الجديدة صاغت خريطة استثمارية مبتكرة، مؤهلةً السوق السعودية لتكون واحدة من أبرز الوجهات الإقليمية والدولية الجاذبة للاستثمار الاستراتيجي المستدام.

