خطف وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان الأضواء في الجلسة الحوارية الرفيعة التي عُقدت في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي؛ حيث أكد أن العالم في حاجة ماسة إلى استقرار قطاع الطاقة، معلناً بثقة مطلقة: "نحن مزود مرن للطاقة. كنا وسنظل كذلك في جميع الظروف".
وفي كلمته خلال جلسة خاصة في المنتدى الذي تحل فيه المملكة "ضيف الشرف الرئيسي"، أقرّ الأمير عبد العزيز بن سلمان بأن الأحداث الجيوسياسية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط تشتت الانتباه وتعرقل التركيز عن الأولويات الاستراتيجية للمملكة. واصفاً تلك الأوضاع بأنها تتسبب بقدر كبير من الإحباط. ومع ذلك، وجّه رسالة طمأنة قوية للأسواق العالمية بنبرة حازمة قائلاً: "نحن مدينون لأنفسنا ولكل مواطن سعودي بأن نتحدى هذه البيئة الصعبة ونواصل الالتزام بطموحاتنا؛ فالمملكة تمتلك القدرة والثقة الكافية للتعامل مع التحديات وإظهار مرونتها الاقتصادية والتشغيلية أمام العالم".
دلّل الأمير عبد العزيز على تلك الكفاءة بنجاح البنية التحتية والمنظومة اللوجستية للمملكة في تحويل المآسي إلى فرص، وإدارة موسم الحج بنجاح قياسي غير مسبوق رغم الاضطرابات الإقليمية المحيطة.
وعن الشراكة مع موسكو، أعلن وزير الطاقة السعودي عن توقيع 30 اتفاقية تعاون جديدة بين القطاع الخاص في البلدين بمختلف المجالات كالصناعة والتعليم والسياحة والطاقة، مشدداً على أنه "سنوقع اتفاقيات بمختلف المجالات وليست هناك حدود أو قيود لهذا التعاون المشترك". وأضاف أن العقلية الاستراتيجية في الرياض وموسكو انتقلت من كونها مجرد "منتجة للنفط أو الغاز" إلى "صناعة وتوريد الطاقة بمفهومها الشامل"، بما يشمل الهيدروكربونات وتصدير الإلكترونات.
وفي لفتة تفسيرية لموقفه السابق الذي حبس أنفاس المتعاملين في البورصات النفطية، كشف الأمير عبد العزيز عن تعمده الصمت طوال الفترة الماضية التي شهدت أعتى أزمة طاقة عالمية، قائلاً بفلسفة قيادية: "الوزير مطالب بالحفاظ على هدوئه وعدم الهلع؛ لأن الذعر يفقدك السيطرة على السردية. أنوي الحفاظ على صمتي؛ لأن الصمت في خضم المجاهيل الكثيرة هو رسالة وإقرار متواضع بأن الواقع يتبدل بسرعة".
واختتم الأمير عبد العزيز مقاربته لواقع الأسواق الراهن بتصريح بليغ يعكس حجم الضبابية التي تلف المشهد العالمي قائلاً: "هناك الكثير من الأجزاء والعوامل المتحركة. الكثير من الأمور المجهولة. والكثير من الأشياء التي نعتقد أنها أصبحت واقعاً. ولكن نستيقظ في اليوم التالي لنجد أن الواقع ليس واقعاً، وإنما حلم بعيد المنال أو أمل متخيل أو أمنية".
من جانبه، وصف نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، الأزمة الراهنة التي تشهدها سوق النفط الدولية بأنها "غير مسبوقة، ولم يحدث لها مثيل حتى في القرن العشرين الماضي". وأكد نوفاك أن روسيا ستتعامل بمرونة وهدوء تام مع العقوبات الغربية المفروضة عليها، بالنظر إلى كونها مورداً أساسياً لمصادر الطاقة في السوق الدولية.
وحذّر نوفاك من عجز ضخم ومخفي في المعروض العالمي يقدّر بنحو 12 مليون برميل يومياً لا تصل إلى الإمدادات حالياً، لافتاً إلى أن الأسواق العالمية لم تشعر بالآثار الكاملة لأزمة الطاقة الناجمة عن صراع الشرق الأوسط.
كما نبّه نوفاك إلى أنه في حال استمرار الصراع وتأخر دول الخليج في زيادة الإنتاج، فإن السوق ستواجه نقصاً مادياً حاداً وفورياً في الإمدادات في غضون أشهر قليلة. وشدد نوفاك على أن دور اتفاقية "أوبك بلس" يظل محركاً جوهرياً لضبط بوصلة الطاقة، حيث يسيطر الأعضاء على أكثر من 50 في المائة من الإنتاج العالمي وما يزيد عن 40 في المائة من إجمالي الصادرات في التجارة الدولية.
أما الأمين العام لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، هيثم الغيص، فقال إن المنظمة تتوقع نمواً قوياً في الطلب على النفط ولن تُغير تقديراتها، على الرغم من الصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز. وأضاف: "على الرغم من كل ما يُشاع عن انخفاض الطلب على النفط، فإننا لم نرصد أي مؤشرات على ذلك حتى الآن".
كما أكد أن الاستثمارات في قطاع النفط يجب ألا تتأثر بـ"الأحداث الاستثنائية" التي قد تحدث في أي مكان في العالم.
وتكتسب تصريحات الوزراء في المنتدى أهمية بالغة بوصفها التمهيد والمؤشر الفعلي لتوجهات كبار المنتجين قبيل الماراثون النفطي الحاسم. ويشهد ذلك اليوم ثلاثة اجتماعات متتالية تبدأ بمؤتمر منظمة "أوبك" الإداري، يليه عقد الاجتماع السادس والستين للجنة المراقبة الوزارية المشتركة المعنية بمتابعة مستويات الامتثال والتوافق وإقرار خطط التعويض الحالية.

