اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

تأثير مضيق هرمز على تسعير النفط والاقتصاد العالمي

{title}

لم تعد سوق النفط تتعامل مع مضيق هرمز بوصفه ممرًا بحريًا استراتيجيًا فقط. بل أصبح يُعتبر متغيرًا سعريًا قائمًا بذاته، يضاف إلى معادلة العرض والطلب التقليدية. وأعاد هذا التحول تشكيل طريقة قراءة المستثمرين وشركات الشحن والتأمين لمخاطر الطاقة في الخليج.

مع تعطل جانب واسع من حركة الشحن عبر المضيق، بات السؤال المطروح في الأسواق لا يتعلق فقط بكمية النفط المتاحة عالميًا، بل بمدى أمان وصول هذه الكميات إلى المستهلكين. وهذا التحول هو ما يمكن وصفه بـ"تسعير أمن الممرات البحرية"، حيث لم يعد البرميل يُسعر وفق الإنتاج والمخزونات والطلب فقط، بل وفق احتمال مروره الآمن من أكثر نقطة اختناق حساسية في تجارة الطاقة العالمية.

ويكتسب مضيق هرمز هذه الأهمية كونه يعد ممرًا لنحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا، ما يجعل أي اضطراب طويل فيه قادرًا على تحويل أزمة الطاقة من صدمة سعرية إلى أزمة اقتصادية عالمية، تمتد آثارها إلى الأسمدة ووقود الطائرات والبتروكيماويات والألمنيوم وتكاليف النقل والتأمين.

يقول خبير الطاقة ممدوح سلامة إن علاوة المخاطر الجيوسياسية عادة ما تضيف إلى أسعار النفط بين 3 و4 دولارات للبرميل في الظروف العادية. لكن إغلاق مضيق هرمز يمثل تطورًا "فريدًا من نوعه" لأن الأسواق لا تعرف مداه الزمني ولا حجم تأثيره النهائي. ويرى أن العلاوة إذا استمر الإغلاق 6 أشهر أو 12 شهرًا قد تتحول إلى شبه دائمة، حتى لو أُعيد فتح المضيق لاحقًا.

وأضاف سلامة أن عودة الملاحة لا تعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب. إذ يتوقع أن يبقى خام برنت، حتى بعد فتح هرمز، في نطاق 85 إلى 90 دولارًا للبرميل لسنوات طويلة، بعدما كان قبل الحرب يدور بين 50 و60 دولارًا. وهو ما يعني أن السوق قد تبقي جزءًا من علاوة هرمز داخل الأسعار، حتى في حال تراجع التوتر المباشر.

ترى خبيرة شؤون الطاقة لوري هايتايان أن مضيق هرمز بات العامل الأكثر تأثيرًا في أسواق الطاقة خلال المرحلة الحالية، متقدما حتى على اجتماعات أوبك. إذ إن قرارات زيادة الإنتاج أو خفضه تفقد جزءًا كبيرًا من فعاليتها عندما تواجه الإمدادات صعوبات في الوصول إلى الأسواق. وتقول إن أوبك تعطي إشارات للمستقبل، أما هرمز فهو إشارة السوق اليوم. ولهذا يتحرك السعر بين التفاؤل بإعادة فتح المضيق وواقع استمرار الإغلاق الجزئي أو الفوضى في حركة السفن.

اعتبرت هايتايان أن الجزء الأكبر من ارتفاع الأسعار الحالي يعكس مخاطر جيوسياسية لا نقصًا بنيويًا في وجود النفط والغاز. فالإمدادات موجودة لكنها لا تصل بسهولة إلى السوق. وتشير إلى أن الحديث عن علاوة بين 14 و25 دولارًا للبرميل يعكس هذا القلق، حتى لو كان من الصعب تحديد رقم دقيق للعلاوة. لأن الأسواق تحاول في الوقت نفسه امتصاص الصدمة عبر مصادر بديلة واستخدام المخزونات والتحول الجزئي إلى بدائل طاقة أخرى.

أما خبير الطاقة نهاد إسماعيل فيذهب إلى أن الأسواق باتت تركز بصورة أكبر على المخاطر التي تهدد الجانب اللوجستي لحركة الشحن ونقل الإمدادات، معتبرا أن العالم يشهد أكبر تعطيل للإمدادات النفطية في التاريخ. ويشير إلى أن خسارة الإنتاجية العالمية وتراجع المخزونات يعززان فكرة أن السوق باتت تسعر أمن الممرات البحرية أكثر مما تسعر أساسيات السوق التقليدية وحدها.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن العرض والطلب فقدا أهميتهما. إذ يؤكد سلامة أن أساسيات السوق ستبقى العامل الأول والأخير في تحديد الأسعار. لكنه يقر بأن الممرات البحرية ستدخل من الآن فصاعدًا في كل تسعير نفطي تقريبًا. لأن إيران، وفق تقديره، ستواصل استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط دفاعية وسياسية. وبذلك تصبح قواعد سوق الطاقة أكثر تعقيدًا.

عربيًا، يبدو أثر بقاء برنت قرب 95 دولارًا للبرميل مزدوجًا ومعقدًا. فمن حيث المبدأ، تستفيد الدول المصدرة للنفط من ارتفاع السعر، بينما تتضرر الدول المستوردة للطاقة بفعل ارتفاع كلفة الوقود والكهرباء والنقل والدعم والاستيراد. غير أن أزمة هرمز تجعل الصورة أقل بساطة. إذ لا تستطيع بعض الدول المنتجة الاستفادة الكاملة من السعر المرتفع إذا كانت صادراتها عالقة أو منشآتها معرضة للخطر.

يرى ممدوح سلامة أن العراق والسعودية من أكثر الدول العربية استفادة من بقاء النفط قرب 95 دولارًا، لأن العراق يحتاج إلى هذا المستوى تقريبًا لموازنة ميزانيته، بينما تحتاج السعودية إلى سعر قريب من 90 دولارًا للبرميل. ويضيف أن أغلب الدول العربية المنتجة للنفط داخل أوبك تحتاج إلى نطاق يتراوح بين 85 و95 دولارًا، وقد تكون حاجتها الفعلية ارتفعت الآن إلى نحو 100 دولار للبرميل في ظل الضغوط المالية وتكاليف الحرب والمخاطر.

أما لوري هايتايان فتشير إلى أن خريطة الرابحين والخاسرين تبدو واضحة إلى حد كبير. إذ تستفيد الدول المصدرة للنفط من الأسعار المرتفعة عبر زيادة الإيرادات النفطية، في حين تتحمل الدول المستوردة للطاقة الكلفة الأكبر، مع ارتفاع فاتورة استيراد النفط ومشتقاته وما يرافق ذلك من ضغوط على الموازنات العامة والاحتياطيات الأجنبية والقدرة الشرائية للمستهلكين، فضلاً عن انعكاسه على معدلات التضخم وتكاليف النقل والإنتاج.

يشير نهاد إسماعيل إلى أن المستفيدين الأكبر عربيا قد يكونون المنتجين الذين لا ترتبط صادراتهم بمضيق هرمز، مثل الجزائر وليبيا وبعض صادرات كردستان العراق. إذ يبيعون نفطهم عند مستويات سعرية مرتفعة دون التعرض للقيود اللوجستية والمخاطر التي فرضتها الأزمة الحالية.

في المقابل، تواجه الاقتصادات العربية المستوردة للطاقة، مثل مصر والأردن والمغرب وتونس ولبنان، أثرا عكسيا. فبقاء برنت قرب 95 دولارًا يعني ارتفاع فاتورة الاستيراد وزيادة الضغوط على العملات المحلية وتضخم كلفة النقل والغذاء والكهرباء، وربما توسيع عجز الموازنات إذا قررت الحكومات امتصاص جزء من الصدمة عبر الدعم أو تأجيل رفع الأسعار المحلية.

في حال التوصل إلى اتفاق يضمن عودة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز خلال الأيام المقبلة، فإن الأسواق تتوقع تراجعًا في أسعار النفط. غير أن التقديرات تختلف بشأن حجم هذا الانخفاض ومدى استمراره. فبينما يرى بعض الخبراء أن إعادة فتح المضيق قد تؤدي إلى هبوط فوري يتراوح بين 10 و20 دولارًا للبرميل، مدفوعًا بانحسار جزء من علاوة المخاطر الجيوسياسية وخروج المضاربات المرتبطة بالأزمة، يرى آخرون أن الأسعار ستظل أعلى من مستويات ما قبل الحرب بسبب استمرار حالة عدم اليقين بشأن أمن الإمدادات في المنطقة.

تشير هايتايان إلى أن الأسعار كلما تلقت إشارات تفاؤل بشأن فتح المضيق هبطت إلى ما دون 100 دولار، وربما إلى نطاق 90 و100 دولار. وترى أن العودة إلى نطاق 80 و90 دولارًا ممكنة، لكنها مشروطة بطبيعة الاتفاق وسرعة فتح المضيق وعودة شركات التأمين إلى نشاطها الطبيعي وقدرة السفن على التحميل والخروج إلى الأسواق دون تهديد.

أما سلامة فيبدو أكثر تحفظًا، إذ يرى أن الأسعار قد تتراجع قليلاً وربما لا تتراجع كثيرًا في البداية، لأن عودة التدفقات قد تكون أقل من مستويات ما قبل الحرب، مع حاجة دول الخليج إلى أشهر لإصلاح أضرار لحقت بمنشآت الإنتاج. وبناء على ذلك، قد يبقى السعر مرتفعًا لفترة طويلة حتى مع وجود اتفاق سياسي.

يذهب نهاد إسماعيل إلى تقدير وسط، إذ يتوقع أن تهبط الأسعار مبدئيًا بين 10 و20 دولارًا إذا تم فتح المضيق دون اشتراطات صعبة أو عراقيل. لكنه يحذر من أن الأسواق ستظل متشددة خلال السنوات المقبلة بسبب نقص الإمدادات، ما يمنع انهيارًا كاملاً للأسعار. وهذا يعني أن الاتفاق قد يزيل جزءًا من علاوة الخوف، لكنه لن يعيد السوق بالضرورة إلى بيئة النفط الرخيص.

أما السيناريو الأسوأ الذي تخشاه الأسواق فهو استمرار الحرب أو بقاء المضيق مغلقًا لعدة أشهر. في هذه الحالة، لا يعود الحديث عن علاوة مؤقتة، بل عن أزمة إمدادات عالمية قد تتجاوز قدرة المخزونات والاستجابات البديلة على امتصاصها.

يحذر سلامة من أن استمرار إغلاق هرمز 6 أشهر أو أكثر قد يؤدي إلى نقص كبير في إمدادات الطاقة خلال أشهر الصيف، مع ارتفاع خام برنت إلى ما فوق 120 دولارًا وربما ملامسة 140 دولارًا للبرميل. ويربط ذلك بتراجع المخزونات الاستراتيجية وغير الاستراتيجية لدى الدول المستهلكة، وارتفاع كلفة الإنتاج الصناعي والغذائي، واتساع التضخم العالمي، واحتمال دخول الاقتصاد العالمي في انكماش بدلاً من النمو المتوقع.

يضيف أن كلفة هذا السيناريو لن تقف عند سوق النفط، بل قد تشمل ارتفاع تكاليف نقل البضائع والصادرات والواردات، ونقص بعض المواد الغذائية، وخسائر ضخمة للاقتصاد العالمي نتيجة ارتفاع الطاقة والإنتاج والنقل.

نهاد إسماعيل يشير إلى أن مخاوف استمرار حالة الحرب وبقاء المضيق مغلقًا دفعت بعض البنوك الاستثمارية الأمريكية، مثل جي بي مورغان وغولدمان ساكس، للحديث عن أسعار قد تتجاوز 150 دولارًا للبرميل. ويرى أن الأسعار فوق هذا المستوى ستكون ذات أثر سلبي كارثي على الاقتصاد العالمي، وقد تؤدي في النهاية إلى تراجع الطلب على النفط بفعل الركود أو تباطؤ النشاط الاقتصادي.

تشير هايتايان إلى أن استمرار الأزمة لفترة أطول لا يعني فقط مزيدًا من الارتفاع في أسعار الطاقة، بل يهدد بآثار اقتصادية أوسع. وفي حال تحول اضطراب الملاحة في هرمز إلى واقع طويل الأمد، فقد تجد أسواق الطاقة نفسها أمام مرحلة جديدة لا يكون فيها سعر النفط انعكاسًا لحجم الإنتاج والاستهلاك فقط، بل لمدى أمن وصول الإمدادات إلى الأسواق العالمية.