اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

سوريا تعتمد الشراكة بين القطاعين العام والخاص كبديل للخصخصة

{title}

حسمت سوريا الجدل حول هوية نظامها المالي والاستثماري الجديد؛ متبنيةً مسار الشراكة الاستراتيجية بين القطاعين العام والخاص كبديل جذري لخيار الخصخصة المطلقة. ليعلن هذا التحول رسمياً خروج القطاع الخاص من دور المساند الهامشي إلى قاطرة التنمية الاقتصادية والشريك الأساسي في قيادة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. هذا التوجه الاستراتيجي، الذي توّجه إطلاق حوار وطني موسع لعام 2026، لا يهدف فقط إلى استقطاب الرساميل الوطنية والمهاجرة وإعادة ربط سلاسل القيمة المحلية، بل يعيد صياغة دور الدولة بوصفها منظمة وضامنة للسوق الحرة. ومستنداً إلى رؤية دولية تدعم الاستدامة وحزمة من المحفزات التشريعية غير المسبوقة، يسعى هذا المسار لردم فجوة الثقة الممتدة لسنوات. وبناء اقتصاد سوق اجتماعي منفتح يوازن بين حرية المبادرة الفردية والمسؤولية التنموية الشاملة.

وكانت العاصمة السورية دمشق أسدلت الستار على أعمال المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص في سوريا، والذي عُقد على مدار ثلاثة أيام في قصر المؤتمرات. ويعد هذا الحدث الأول من نوعه في البلاد منذ بدء مرحلة التحول السياسي والاقتصادي إثر سقوط النظام السابق. المؤتمر الذي نظمته وزارة الاقتصاد والصناعة، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبتمويل ودعم من الحكومة اليابانية، شهد مشاركة واسعة ناهزت 500 شخصية اقتصادية تضم وزراء وممثلي الجهات العامة وغرف التجارة والصناعة والزراعة ومجالس الأعمال بالإضافة إلى خبراء ورجال أعمال من داخل سوريا وخارجها ومنظمات دولية. ووفقاً للمعرفات الرسمية لوزارة الاقتصاد والصناعة، استهدف المؤتمر صياغة رؤى وتوصيات عملية تسهم في دعم مسار التعافي والتنمية الشاملة.

وتتقاطع الرؤية الاقتصادية الجديدة في البلاد مع أدبيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والتي تنظر إلى التنوع الاقتصادي كأصل استراتيجي؛ حيث لا يُنظر إلى القطاع الخاص السوري ككتلة صماء، بل بوصفه منظومة حيوية متنوعة ومرنة. تتوزع بنيتها على عدة مستويات، أبرزها المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة والتي تشكل أكثر من 90 في المائة من بنية الأعمال في سوريا. وهي الخزان الرئيسي والقدرة الحقيقية لاستيعاب القوى العاملة الوطنية. والشركات العائلية والورش الحرفية التي حافظت على استمرار المهارات الإنتاجية محلياً طوال سنوات الأزمة تحت ضغوط قاسية؛ والمنتجون الزراعيون والمصنعون المحليون الذين ضمنوا استمرارية الحد الأدنى من تدفق السلع في الأسواق الداخلية.

وفي تصريح، بيّن الخبير الاقتصادي الذي يشغل منصب المستشار الأول لشؤون السياسات الاقتصادية المحلية في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، أسامة قاضي، أن المؤتمر أزال اللبس بشأن هوية الاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة، حيث تم توضيح توجهه، وأنه أقرب ما يكون لاقتصاد السوق الموجه أو اقتصاد السوق الاجتماعي كما هو الحال في ألمانيا ومعظم أوروبا وكندا. وأن القطاع الخاص يمثل قاطرة التنمية الاقتصادية، وأن القطاع العام لا يواجه مصير الخصخصة، وأن الحكومة تنتهج مسار الشراكة مع القطاع الخاص.

وأوضح أن هوية الاقتصاد لسوريا الجديدة تؤكد آليات العرض والطلب الحرة دون احتكار مع التأكيد على الحكم الرشيد ودور الدولة في مراقبة تطبيق القوانين والتأكد من مرونتها وتطبيقها من أجل خلق بيئة استثمارية جاذبة للاستثمارات. وذلك عن طريق فرض معدلات ضريبية محفزة للنشاط الاقتصادي.

ومن خلال قانون الاستثمار 114، أعفت الحكومة السورية كل النشاط الزراعي والتعليمي من الضرائب. وشجعت الإنتاج الصناعي؛ إذ إن أي شركة استثمارية تصدّر أكثر من 50 في المائة من إنتاجها تُعفى من 80 في المائة من الضرائب. والضريبة عموماً لا تتجاوز 15 في المائة. إضافة إلى إعفاء خطوط الإنتاج والآلات المستخدمة في عمليات الإنتاج من أي ضريبة.

ولفت قاضي إلى أن اللائحة التنفيذية لقانون الاستثمار تساعد المشاريع الصغيرة متناهية الصغر والمتوسطة، والتي تشكل أكثر من 90 في المائة في سوريا، من خلال خطوط الائتمان وإعطاء قروض ميسرة وتوفير حضنات ومسرعات الأعمال. إضافة إلى تشجيع تلك المشروعات من أجل مشاركتها في المعارض المحلية والعالمية من خلال مجالس الأعمال التي تم الإعلان عنها خلال المؤتمر في أكثر من 17 دولة.

وخلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، قال وزير الاقتصاد والصناعة، محمد نضال الشعار، إن سوريا تتجه نحو بناء نموذج اقتصادي جديد يجمع بين الواقعية والطموح والانفتاح. وتنظر باهتمام إلى الدول التي حققت نماذج ناجحة وقفزات تنموية خلال فترات زمنية قصيرة بهدف التعليم والتكييف وبناء نموذجها الخاص استناداً إلى إمكانياتها وموقعها الاستراتيجي وطاقات شعبها وخبرات أبنائه في الخارج والداخل.

وأوضح أن تبني نهج الاقتصاد الحر لا يعني غياب الدولة، ولا ترك ضوابط السوق. فالتجارب الناجحة أثبتت أنها مبنية على نموذج متوازن بين حرية المبادرة ودور الدولة الاستراتيجي. مضيفاً أن النهضة الاقتصادية الحديثة لا تُبنى بالشعارات، بل بالكفاءة والانضباط والاستقرار. وبشراكات حقيقية، واقتصاد يمنح الفرصة للمبادرة والإبداع والإنتاج ضمن رؤية وطنية واضحة.

وأشار إلى أن دور الدولة الاقتصادي لا يختزل في نقاش بين الملكية العامة والخصخصة، ولا ينظر إلى الخصخصة باعتبارها تهمة أو خياراً افتراضياً أو حلاً تلقائياً للتحديات الاقتصادية، موضحاً أن القيمة الحقيقية للأصول العامة لا تكمن في سعر بيعها بل في قدرتها على خلق قيمة مضافة ومستدامة للاقتصاد الوطني.

وفي تصريحه، أوضح قاضي أن القطاعات الحيوية المرشحة لقيادة التحالف بين القطاعين العام والخاص هي: الزراعة والتصنيع الزراعي والطاقة والنقل والبنية التحتية والإعمار. مشيراً إلى أن سوريا بلد بكر لم يُستثمر أكثر من 5 في المائة من إمكانياتها البشرية ومواردها وثرواتها الباطنية. بل تم منح تهميش مكانتها الجيو سياسية التي تدعم اليوم أكثر من ثلث موازنة سوريا.

واعتبر أن أكثر ما يهم في العلاقة بين القطاعين الخاص والعام هو أن تكون هذه الشراكة واضحة، بمعنى أن يتم الالتزام بالشفافية في العقود المبرمة بينهما. واعتماد معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية. وهنا يبرز التوجه نحو التحول الأخضر والاستخدام الرشيد للموارد كضرورة اقتصادية ملحة لخفض تكاليف التشغيل الطويلة الأجل وتأهيل المنتجات السورية للأسواق العالمية.

وشكل انعقاد حوار القطاع الخاص داخل دمشق لأول مرة منذ انطلاقه علامة فارقة في مأسسة وتوطين الحوار. والسؤال الذي يطرح: إلى أي مدى يسهم هذا التحول في ردم فجوة التصورات وبناء الثقة المتبادلة والمساءلة بين التجار والصناع من جهة، والمؤسسات الحكومية من جهة أخرى؟

الخبير الاقتصادي السوري زياد عربش أوضح أن هذا التحول يسهم في ردم فجوة التصورات من خلال نقل النقاش من المنفى إلى أرض الواقع، حيث يلتقي الصناعيون والتجار مع الحكومة على نفس التحديات. وعبر بناء الثقة المتبادلة من خلال حوار مباشر دون وسيط دولي. كما أن وجود كافة الفاعلين في مكان واحد يخلق ضغطاً مجتمعياً للالتزام.

وتعمل الحكومة السورية منذ تحرير البلاد من النظام السابق على استعادة النمو الاقتصادي وجذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية للمشاركة في إعادة بناء الاقتصاد. وقدر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، بينما بلغت قيمة الخسائر المادية المباشرة في البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية نحو 108 مليارات دولار. وفي ظل حذر الرساميل الأجنبية، يجمع الخبراء على أن رأس المال السوري المغترب وشبكات الشتات هما المحرك الأكثر واقعية وسرعة لقيادة التمويل في المدى القريب.

ورأى عربش أن ترجمة المخرجات والتوصيات السياساتية إلى خطط تنفيذية محددة بجدول زمني تلتزم بها الجهات العامة تتطلب وجود آلية مؤسسية واضحة. تتضمن تشكيل لجنة تنفيذية مشتركة تحول التوصيات لخطط عمل بمشاريع محددة. ووجود برامج زمنية مادية لكل مشروع. إضافة إلى ربط الخطط بميزانيات واقعية. وإنشاء نظام رصد ومتابعة. وربط الالتزام بالحوافز والعقوبات؛ لأنه دون جدول زمني ملزم ومساءلة علنية، تبقى التوصيات حبراً على ورق.

وحول الضمانات القانونية والآليات المصرفية لتشجيع رساميل المغتربين على العودة، ذكر عربش أنها تتمثل بما تضمنه القانون 114. وحماية الملكية الخاصة والصناعية، وقوانين ضمان تحويل الأرباح بالعملات الصعبة، وتسهيلات تحويل مالي من الخارج، وقروض ميسرة للمشاريع المشتركة. إضافة إلى تفعيل التمويل التأجيري.

وتحدث عربش عن المبادرات المتمثلة بدعم الاتحاد الأوروبي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية للماليين في الشتات لتعزيز الاستثمار الزراعي، وإنشاء منصات رقمية لربط المغتربين بمشاريع إعادة الإعمار. معقباً: فالمغتربون يحتاجون إلى ثقة قانونية وسيولة مصرفية وحوافز ملموسة، لا دعوات عاطفية فقط.

وفي ختام تحليله، شدد عربش على الأهمية الاستراتيجية لبناء جسور تواصل متينة مع مؤسسات التمويل الدولية، مستنداً إلى الحضور الدولي الوازن لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والحكومة اليابانية كضامن دولي موثوق يحفز كلاً من البنك وصندوق النقد الدوليين. وبنوك التنمية الإقليمية على الانخراط في المشهد الاقتصادي الجديد.