اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

ترمب يناقش ملكية الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الاقتصاد

{title}

لم يعد النقاش الأميركي حول الذكاء الاصطناعي محصوراً في التنظيم أو حماية الخصوصية أو سباق التفوق مع الصين. قال الرئيس دونالد ترمب إنه يدرس حصول الحكومة الأميركية على حصص في كبرى شركات الذكاء الاصطناعي، مما ينقل الملف إلى مستوى أكثر حساسية، وهو من يملك ثروة الذكاء الاصطناعي المقبلة؟ ومن يحق له جني أرباحها إذا كانت ستغير سوق العمل والاقتصاد والأمن القومي معاً.

وأضاف ترمب أن قادة الصناعة سيبحثون هذه الفكرة قريباً في البيت الأبيض، وفقاً لوكالة رويترز وواشنطن بوست. تأتي هذه التصريحات في توقيت بالغ الدلالة، حيث تتحرك شركات مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك وسبيس إكس نحو طرح أسهمها للاكتتاب العام، في مسار قد ينجم عنه شركات بتقييمات تريليونية جديدة. لذلك، لا يبدو النقاش مجرد مناورة سياسية بل محاولة لإعادة تعريف علاقة الدولة الأميركية بقطاع تكنولوجي بات يوصف بأنه البنية التحتية الاقتصادية والمعرفية للقرن الحادي والعشرين.

تقليدياً، كانت الولايات المتحدة تفضل ترك الابتكار للشركات الخاصة مع تدخل حكومي محدود عبر القوانين والعقود الدفاعية والدعم البحثي أو مكافحة الاحتكار. لكن مقترح امتلاك حصص مباشرة في شركات الذكاء الاصطناعي يمثل انتقالاً من دور "الحكم" إلى دور "الشريك". وهذا ليس تفصيلاً صغيراً في اقتصاد أميركي لطالما قدم نفسه بوصفه نموذجاً للرأسمالية غير المملوكة من الدولة.

كشفت إدارة ترمب أنها سبق أن فتحت هذا الباب عبر صفقات في قطاعات استراتيجية، بينها الرقائق والمعادن النادرة والحوسبة المتقدمة. كما حصل مع شركة إنتل المصنعة للرقائق. إدخال الذكاء الاصطناعي إلى هذه المعادلة يعني أن واشنطن تنظر إلى القطاع لا على أنه صناعة عادية بل بوصفه أصلاً وطنياً شبيهاً بالطاقة أو الدفاع أو البنية الرقمية السيادية.

ومن زاوية مؤيدي الفكرة، إذا كانت الدولة توفر البيئة القانونية والبحث الأساسي والعقود الحكومية والحماية الأمنية، فمن المنطقي أن يحصل المواطنون على نصيب من الأرباح المقبلة. أما من زاوية المنتقدين، فإن دخول الحكومة في ملكية شركات تنتج أدوات معرفة واتصال وتحليل وسلاح محتمل، يثير مخاوف من تضارب المصالح ومن تداخل غير صحي بين السلطة السياسية وقوة الخوارزميات.

قال محللون إن جوهر الفكرة ليس مالياً فقط، فالذكاء الاصطناعي يعد بنمو اقتصادي هائل، لكنه يثير في الوقت نفسه خوفاً واسعاً من فقدان الوظائف وتراجع قيمة المهارات التقليدية واتساع الفجوة بين من يملكون رأس المال ومن يبيعون عملهم. لهذا، تبدو فكرة "الصندوق العام" أو "الثروة العامة" محاولة سياسية لامتصاص قلق شعبي متزايد.

في هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة، حيث يلتقي ترمب والسيناتور اليساري بيرني ساندرز وسام ألتمان الرئيس التنفيذي في أوبن إيه آي عند سؤال واحد: هل ينبغي أن يحصل الجمهور على حصة مباشرة من أرباح الذكاء الاصطناعي؟ وفقاً لوكالة أسوشييتد برس، فإن ساندرز يدفع باتجاه طرح أكثر جذرية يقوم على صندوق سيادي أميركي يحصل على حصة كبيرة من أسهم شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى. بينما يقترح ألتمان تصوراً أقل صدامية يقوم على تبرع أو مساهمة جزئية من الشركات لصالح صندوق عام.

هذا التقاطع لا يعني وجود إجماع، بل يكشف أن القلق من آثار الذكاء الاصطناعي تجاوز الانقسام الحزبي التقليدي. اليمين يخشى الرقابة والبيروقراطية والتدخل الحكومي، بينما يسعى اليسار لتجنب ترك ثروة تريليونية جديدة في يد قلة من المساهمين. وبينهما، تحاول شركات التكنولوجيا تجنب تنظيم قاسٍ عبر اقتراح صيغ "طوعية" تبدو أقل تكلفة سياسياً.

التوقيت مهم أيضاً، إذ تحرك البيت الأبيض نحو آلية تمنح الحكومة فرصة مبكرة للاطلاع الطوعي على نماذج الذكاء الاصطناعي القوية قبل انتشارها على نطاق واسع. بهدف اختبار أخطار الأمن السيبراني وسوء الاستخدام، مما يوضح أن واشنطن لا ترى الذكاء الاصطناعي محركاً للنمو فقط، بل ساحة أمن قومي.

أظهر المحللون أن النماذج المتقدمة يمكن أن تساعد في الدفاع السيبراني، لكنها قد تساعد أيضاً في تطوير هجمات إلكترونية أو تصميم أسلحة أو نشر تضليل واسع النطاق. لذلك يصبح سؤال الملكية أو الحصة العامة متداخلاً مع سؤال السيطرة والمساءلة. هل امتلاك الدولة حصة يجعلها أكثر قدرة على توجيه التكنولوجيا نحو المصلحة العامة؟ أم يفتح باباً لاستخدام النفوذ الحكومي للضغط على الشركات أو توجيهها سياسياً؟ ويستدلون في ذلك على المواجهة المستمرة بين البنتاغون وشركة أنثروبيك.

هذا هو التحذير الذي يردده منتقدون في وادي السيليكون، ومنهم شخصيات محافظة ترى أن "تأميم" جزء من الذكاء الاصطناعي قد يسرع اندماج السلطة الحكومية مع قوة الشركات، بما يشبه نموذجاً ترفضه الولايات المتحدة عادةً عندما تنسبه إلى خصومها. إلا أن المدافعين عن الفكرة يردون بأن البديل ليس سوقاً حرة مثالية، بل شركات عملاقة تملك موارد وبيانات وقدرات قد تتجاوز قدرة الحكومات نفسها.

بعض المحللين يرون أن أكبر تحدٍ أمام مقترح ترمب هو تصميم الآلية. هل ستكون الحصة الحكومية إلزامية أم طوعية؟ هل ستوضع في صندوق مستقل؟ هل يحصل المواطنون على عوائد مباشرة؟ هل تمتلك الحكومة مقاعد في مجالس الإدارة؟ وهل ينطبق ذلك على الشركات الخاصة قبل الاكتتاب أم بعده؟ ويعتقدون أن الإجابات ستحدد ما إذا كانت الفكرة ستبدو "شراكة مع الجمهور" كما قال ترمب، أم تدخلاً حكومياً واسعاً في قلب الاقتصاد الرقمي.

كما أن الشركات نفسها ستتعامل بحذر، فهي تريد عقود الحكومة وحمايتها ودعمها في سباق عالمي شرس، لكنها لا تريد أن تتحول إلى أذرع شبه رسمية للدولة. المستثمرون أيضاً سيحسبون أثر أي حصة حكومية على التقييمات وحقوق التصويت والحوكمة والقدرة على الابتكار.