يتساءل الخبراء عما إذا كان الائتمان الخاص قد يكون أزمة الرهن العقاري العالمية المقبلة. هذا السؤال بات يتردد بجرأة في أروقة صناعة القرار المالي بعد توسع سريع للإقراض خارج النظام المصرفي التقليدي على مدى السنوات الماضية. مما خلق سوقاً هائلة تجاوزت قيمتها حاجز الـ1.8 تريليون دولار بعيداً عن الرقابة اللصيقة.
وقد أطلق الرئيس التنفيذي لمصرف "جي بي مورغان"، جيمي ديمون، تحذيرات من أن خسائر القطاع ستتجاوز على الأرجح التوقعات عند تحول دورة الائتمان بفعل ضعف المعايير وارتفاع المديونية.
وفي منعطف تنظيمي حاسم، دخل مجلس الاستقرار المالي العالمي - الذي يضم محافظي البنوك المركزية ووزراء مالية مجموعة العشرين - على خط الأزمة عبر مطالبته المنظمين الوطنيين بتشديد الرقابة فوراً. بالتزامن مع وضع البنك المركزي الأوروبي للائتمان الخاص كأحد المصادر الرئيسية المهددة للاستقرار المالي.
كشف تقرير الاستقرار المالي الصادر عن البنك المركزي الأوروبي عن جانبين شديدي الخطورة في بنية هذا القطاع؛ الأول هو ما وصفه بـ"تأثير كرة الثلج" حيث بدأت الصناديق تواجه صعوبات حقيقية في تسييل بعض أصولها تزامناً مع تصاعد طلبات الاسترداد من المستثمرين. مما يهدد بالاضطرار لعمليات بيع بأسعار بخسة. أما الجانب الآخر فهو تنامي ظاهرة "الرافعة المالية المزدوجة"، حيث كشفت التقارير عن توسع الصناديق في الاقتراض من البنوك التقليدية لتمويل قروضها الخاصة.
هذا التشابك الخطير والتحذيرات الدولية المتلاحقة تأتي كناتج طبيعي لتحول هيكلي عميق يشهده النظام المالي العالمي تقوده صناديق الائتمان الخاصة. والتي خرجت من كونها أدوات بديلة محدودة لتصبح ما يشبه "نظاماً مصرفياً موازياً" تتجاوز قيمته حاجز الـ 1.8 تريليون دولار.
وأوضح الرئيس الأول لإدارة الأصول في "أرباح كابيتال"، محمد الفراج، أن هذا التوسع لم يأتِ بشكل طبيعي بالكامل، بل ارتبط بشكل مباشر بانسحاب البنوك من تمويل الشركات المتوسطة والصغيرة بعد أزمة 2008 وما تبعها من تشديدات تنظيمية صارمة.
وأضاف أن تطبيق معايير "بازل 3" ورفع متطلبات رأس المال دفع البنوك إلى تقليص الإقراض عالي المخاطر، مما أدى إلى نشوء فجوة تمويلية واسعة. وهنا دخلت صناديق الائتمان الخاص لتملأ هذا الفراغ مستفيدة من مرونتها وقدرتها على التحرك بسرعة أكبر خارج القيود المصرفية التقليدية.
وأوضح الفراج أن جوهر الائتمان الخاص يقوم على الإقراض المباشر للشركات عبر مؤسسات مالية غير مصرفية دون وساطة البنوك. ويكمن الفارق الأساسي بينه وبين التمويل المصرفي في هيكل الأموال نفسه؛ فالبنوك تعتمد على ودائع قصيرة الأجل قابلة للسحب مما يفرض عليها قيود سيولة صارمة. بينما صناديق الائتمان الخاص تعتمد على رؤوس أموال طويلة الأجل.
وأشار الفراج إلى أن هذا القطاع لا يقتصر على نمط واحد من الإقراض بل يشمل مجموعة واسعة من الأدوات. ومن أبرزها الإقراض المباشر، التمويل "الميزانين"، والديون المتعثرة. كما تشمل أدوات التمويل دعم الشركات الناشئة وتمويل الأصول.
وعاد الفراج إلى ما بعد الأزمة المالية العالمية في 2008 حين اضطرت البنوك العالمية إلى تقليص نشاطها الائتماني بشكل حاد. هذا الانسحاب خلق فجوة تمويلية في السوق، مما جعل الائتمان الخاص يبدو كحل مثالي يجمع بين العائد المرتفع والاستقرار النسبي.
ورغم تصاعد المخاوف، يرى الفراج أن الائتمان الخاص لا يمكن مقارنته بشكل مباشر بأزمة الرهن العقاري في 2008. لأن الخسائر في هذا القطاع تقع على مستثمرين مؤسسيين محترفين وليس على المودعين أو النظام المصرفي التقليدي. ولكنه لا يستبعد وجود "مخاطر نظامية مخفية" ناتجة عن الترابط بين البنوك وصناديق الائتمان.
وتوقع الفراج أن يواصل الائتمان الخاص نموه خلال السنوات المقبلة ليصل إلى مستويات قد تتجاوز 3 تريليونات دولار، مدفوعاً بزيادة الطلب المؤسسي ودخول الذكاء الاصطناعي في عمليات تحليل الجدارة الائتمانية. كما أشار إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد موجة دمج واستحواذ بين مديري الأصول.

