في وقت تواصل فيه حركة السفر العالمية كسر أرقامها القياسية لتسجل 5.1 مليار مسافر، تسببت التوترات الجيوسياسية الحاصلة وصدمة أسعار الوقود في إعادة تشكيل الخريطة المالية لقطاع الطيران العالمي.
ووفقاً للتوقعات المالية والتشغيلية الأحدث التي أعلنها الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) في مؤتمره السنوي في ريو دي جانيرو، أطلق المدير العام للاتحاد، ويلي والش، حزمة من المؤشرات الصادمة؛ مبرزاً هبوط صافي أرباح القطاع العالمي بنحو النصف، لتستقر عند 23 مليار دولار مقارنة بـ45 ملياراً في العام السابق. وأرجع ذلك إلى انكماش هوامش الربحية الصافية إلى 2.0 في المائة جرّاء قفزة بـ70 في المائة في أسعار وقود الطائرات.
وضع والش إقليم الشرق الأوسط في قلب أزمة الإمدادات والخسائر المباشرة، حيث رجّح تحول ناقلات المنطقة جماعياً نحو تسجيل خسارة مجمعة بقيمة 4.3 مليار دولار، وبأثر تشغيلي قاد الهوامش الإقليمية إلى سالب 6.1 في المائة.
وأوضح أن الناقلات الخليجية تواجه حالة حادة من عدم اليقين التشغيلي عقب الإغلاق شبه الكامل للمجال الجوي في بداية الحرب، وما صاحب ذلك من ارتفاع في أسعار النفط. وكشف أن حركة السفر لدى شركات الطيران الخليجية تراجعت بنسبة 24 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مع توقعات بتقلص هذا التراجع إلى 11.4 في المائة بنهاية العام مع استمرار تحسن الأوضاع.
وبيّن والش أنه على الرغم من الكفاءة الاستثنائية التي تبديها هذه الشركات للحفاظ على أكبر عدد ممكن من الرحلات والربط الجوي، فإن التبعات المالية الضخمة أصبحت حتمية. لكنه قلّل من ديمومة هذا النزيف، مؤكداً أن الناقلات الخليجية، التي تستأثر وحدها بنحو 9.5 في المائة من السعة الجوية العالمية و15 في المائة من السعة الدولية، تمتلك مرونة هيكلية فائقة ستسمح لها باستعادة مكانتها الريادية فور استقرار المنطقة.
وأشار إلى أن التراجعات الحالية تُعتبر «تأثيراً تشغيلياً مؤقتاً» وليس تحولاً دائماً في نموذج أعمالها المحوري. وفقاً للبيانات الرقمية الصادرة عن التقرير، تلقت شركات الطيران في الشرق الأوسط الصدمة الأكبر جرّاء استمرار الحرب.
توقع التقرير تسجيل خسارة صافية مجمعة للمنطقة بقيمة 4.3 مليار دولار، مقارنة بأرباح بلغت 7.2 مليار دولار في العام السابق. كما توقع تراجع هامش الربح الصافي للمنطقة إلى سالب 6.1 في المائة، مع هبوط حاد في مستويات الطلب بنسبة 11.4 في المائة.
على الصعيد العالمي، حدد التقرير الارتفاع الحاد لأسعار الطاقة بوصفه متهماً أول في انكماش ربحية الطيران. إذ يُتوقع أن تقفز فاتورة الوقود الإجمالية بنسبة 40 في المائة لتصل إلى 350 مليار دولار، مقارنة بـ252 ملياراً في العام السابق.
سيرتفع نصيب الوقود من إجمالي المصاريف التشغيلية للشركات إلى 31.4 في المائة. وأكد والش أن شركات الطيران تتحمل العبء الأكبر من هذه الصدمة، ما هوى بمتوسط الربح المحقق عن كل راكب عالمياً إلى 4.50 دولار فقط.
من جهة أخرى، أظهر التقرير أن رغبة المستهلكين في السفر لا تزال مرنة بشكل استثنائي. إذ يُتوقع أن ترتفع إيرادات القطاع العالمي بنسبة 9.4 في المائة لتصل إلى 1.165 تريليون دولار. كما يُتوقع أن تحقق الشركات معدلات قياسية في «عامل الحمولة»، لتصل إلى 84.0 في المائة.
إلى جانب الحرب والطاقة، يواجه القطاع أزمة هيكلية متمثلة في نقص الطائرات الجديدة. حيث ارتفع حجم الطلبيات المتأخرة إلى 18100 طائرة، وهو ما يعادل 50 في المائة من الأسطول العالمي النشط.
وحذّر التقرير من مخاطر الركود التضخمي وتأثيره على قدرة المسافرين الشرائية على المدى الطويل. في وقت يخوض فيه العالم عاماً انتخابياً مفصلياً يشمل انتخابات منتصف المدة الأميركية.
وأظهر الرصد الإقليمي للاتحاد تباينات واضحة في كيفية التعامل مع الأزمة، حيث تستفيد بعض ناقلات آسيا والمحيط الهادئ من إعادة توجيه حركة المرور بين أوروبا وآسيا بعيداً عن الشرق الأوسط.

