بعد مرور 100 يوم على إغلاق مضيق هرمز، اتسعت تداعيات الأزمة لتشمل التضخم والنمو الاقتصادي والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد، بعدما أصابت أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة في العالم.
منذ توقف المرور المنتظم عبر هرمز الذي كان ينقل نحو خُمس النفط العالمي وربع تجارة الغاز الطبيعي المسال و30% من تجارة الأسمدة، شهدت أسواق الطاقة اضطرابات واسعة امتدت آثارها إلى مختلف الاقتصادات.
بينما خسرت دول الخليج جزءا من قدرتها على تصدير النفط والغاز، واجهت الاقتصادات المستوردة فواتير طاقة أعلى وضغوطا متزايدة على النمو والأسعار. تحولت الأزمة من صدمة نفطية تقليدية إلى اختبار اقتصادي واسع النطاق، يطال مختلف أطراف السوق.
شهدت أسواق النفط والغاز تقلبات حادة منذ بداية الأزمة. بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ارتفع خام برنت من مستويات كانت تدور حول منتصف السبعينيات من الدولارات قبل الحرب إلى نحو 138 دولارا للبرميل في 7 أبريل، بمتوسط بلغ 117 دولارا خلال ذلك الشهر.
لكن الأسعار تراجعت لاحقا مع تنامي رهانات الأسواق على تفاهم محتمل بين أمريكا وإيران، لينخفض برنت إلى أقل من 94 دولارا للبرميل وخام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 91 دولارا، رغم بقائهما أعلى من مستويات ما قبل الأزمة.
لم تقتصر التداعيات على النفط، إذ أشار صندوق النقد الدولي إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي والديزل ووقود الطائرات والأسمدة والألمنيوم والهيليوم. مر نحو ثلث تجارة الأسمدة والهيليوم العالمية عبر مضيق هرمز، ما وسع آثار الأزمة إلى قطاعات صناعية وزراعية متعددة.
على مستوى التوقعات، ترجح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بقاء خام برنت قرب 106 دولارات للبرميل خلال يونيو قبل تراجعه إلى نحو 89 دولارا في الربع الأخير من العام و79 دولارا في عام 2027 إذا عادت الملاحة إلى طبيعتها.
في المقابل، رفع بنك "باركليز" البريطاني توقعاته لمتوسط أسعار الخام هذا العام إلى نحو 100 دولار للبرميل، محذرا من ارتفاعه إلى 110 دولارات إذا استمر إغلاق هرمز. تشير بعض السيناريوهات المتشددة إلى أسعار قد تتجاوز 150 دولارا للبرميل إذا اتسع نطاق الحرب.
قلبت أزمة هرمز إحدى المسلمات التقليدية في أسواق الطاقة، إذ ترافقت الأسعار المرتفعة مع خسائر تصديرية حدّت من استفادة المنتجين من طفرة الأسعار. بحسب صندوق النقد، تضررت اقتصادات الخليج من تعطل الصادرات أكثر مما استفادت من ارتفاع الأسعار، نتيجة القيود التي واجهت تدفقات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
خفض الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في عام 2026 من 4.5% إلى 3.1%. بينما واجهت قطر ضغوطا إضافية بعد تعرض مجمع رأس لفان للغاز الطبيعي المسال لهجمات بطائرات مسيرة أدت إلى توقف الإنتاج لفترات متفاوتة.
تؤكد وكالة الطاقة الدولية محدودية البدائل المتاحة، إذ لا تستطيع خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية التي تتجاوز مضيق هرمز نقل سوى ما بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يوميا. بينما تفتقر دول مثل العراق والكويت والبحرين إلى منافذ تصدير بديلة خارج المضيق.
زادت التطورات داخل منظمة أوبك من تعقيد المشهد بعد انسحاب الإمارات من المنظمة مطلع مايو. يتوقع صندوق النقد انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 6% هذا العام بفعل الحرب والعقوبات وتعطل التجارة.
يواجه المستوردون عبر العالم تحديا مباشرا يتمثل في تأمين احتياجاتهم من الطاقة. تشير بيانات التجارة العالمية إلى أن آسيا استحوذت خلال عام 2024 على نحو 84% من صادرات النفط العابرة لمضيق هرمز و83% من تجارة الغاز الطبيعي المسال المارة عبره. استحوذت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وحدها على نحو 69% من تدفقات النفط عبر المضيق.
تعتمد الصين على الخليج لتوفير نحو 40% من وارداتها النفطية و30% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال. رغم امتلاكها احتياطيات كبيرة واستمرار تدفق النفط الإيراني المخفض، فإن استمرار الأزمة يفرض ضغوطا متزايدة على الصناعة والنقل والنمو الاقتصادي.
أما اليابان، التي تعتمد على مضيق هرمز لتأمين ما بين 70% و75% من احتياجاتها النفطية، وكوريا الجنوبية التي تعتمد عليه بنحو 60%، فقد لجأتا إلى السحب من احتياطياتهما الاستراتيجية للحفاظ على استقرار الإمدادات.
تواجه الهند تحديات إضافية بسبب اعتمادها على واردات النفط والأسمدة القادمة من الخليج، مما ينعكس بصورة مباشرة على القطاع الزراعي وأسعار الغذاء.
تبدو أوضاع بعض اقتصادات جنوب آسيا أكثر هشاشة، إذ تحصل باكستان على 99% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات، بينما تحصل بنغلاديش على 72% من احتياجاتها من المصدرين نفسيهما، ما أدى إلى ضغوط متزايدة على إنتاج الكهرباء والنشاط الصناعي في البلدين.
ورغم أن اعتماد أوروبا المباشر على نفط وغاز الخليج أقل من اعتماد آسيا، فإن القارة لم تكن بمنأى عن تداعيات الأزمة. وفق بيانات الطاقة الأوروبية، كانت قطر توفر نحو 4% فقط من احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز قبل بدء الحرب، مما يعني أن خطر النقص المباشر في الإمدادات يبقى محدودا نسبيا.
لكن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية زاد الضغوط على تكاليف النقل والإنتاج والتدفئة. دفع مؤسسات دولية عدة إلى خفض توقعاتها لنمو اقتصاد منطقة اليورو خلال العام الجاري، بينما تواصل البنوك المركزية الأوروبية الموازنة بين احتواء التضخم والحفاظ على وتيرة النشاط الاقتصادي. زادت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 50% منذ بدء الحرب.
أسعار الطاقة المرتفعة دفعت عددا من الحكومات الأوروبية إلى إعادة النظر في برامج دعم الطاقة والإنفاق العام، وسط مخاوف من انتقال الضغوط إلى قطاعات التصنيع والنقل والخدمات. قد تتسبب هذه الضغوط في ترسيخ موجة تضخمية جديدة في القارة.
تحولت أزمة هرمز إلى صدمة عرض عالمية واسعة النطاق، بعدما انتقلت آثار ارتفاع أسعار الطاقة إلى النقل والشحن والإنتاج الصناعي، ثم إلى أسعار السلع والخدمات في مختلف الاقتصادات.
خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى نحو 3.1%، مع تحذيرات من إمكانية تراجع النمو إلى 2.5% أو حتى 2% إذا استمرت الأزمة لفترة أطول. يتوقع الصندوق ارتفاع معدل التضخم في العالم من 4.1% في عام 2025 إلى 4.4% هذا العام، مع إمكانية تجاوزه 5.4% أو حتى 6% في السيناريوهات الأكثر تشاؤما.
يحذر الصندوق من أن استمرار هذه الظروف قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو مرحلة من الركود التضخمي، حيث يتباطأ النمو الاقتصادي بالتزامن مع استمرار الضغوط السعرية وارتفاع تكاليف المعيشة والإنتاج.
بدأت بالفعل تظهر مؤشرات على ما يعرف في أسواق الطاقة بـ "تدمير الطلب"، أي تراجع الاستهلاك نتيجة ارتفاع الأسعار إلى مستويات يصعب على المستهلكين والاقتصادات تحملها. تشير بيانات أسواق الطاقة إلى تراجع الاستهلاك العالمي للنفط بملايين البراميل يوميا خلال الربع الحالي من العام، كما تراجعت واردات الصين النفطية إلى أدنى مستوياتها منذ عدة سنوات.
لا يعكس هذا الانخفاض تحسنا في أوضاع السوق بقدر ما يعكس تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الإنتاج. إذا استمرت الأسعار المرتفعة لفترة طويلة، فقد يشهد العالم تحولات أكثر ديمومة في أنماط الاستهلاك واستخدام الطاقة، مع تسارع الاستثمارات في الكفاءة الطاقية والبدائل المختلفة.
من المتوقع أن يتراجع نمو التجارة العالمية من 4.6% في عام 2025 إلى 1.9% هذا العام، قبل أن يرتفع إلى 2.6% في عام 2027.
امتدت تداعيات الأزمة إلى التجارة العالمية وسلاسل الإمداد البحرية، إذ أدى اضطراب هرمز والبحر الأحمر إلى تحويل مسارات الشحن عبر رأس الرجاء الصالح ورفع تكاليف النقل والتأمين وإطالة زمن الرحلات. علقت كبريات شركات الشحن البحري مثل "ميرسك" و"إم إس سي" و"سي إم إيه سي جي إم" عبور بعض سفنها عبر المنطقة، وسط تراجع حركة الملاحة إلى أدنى مستوياتها منذ عقود.
في المقابل، سارعت الدول المستوردة للطاقة إلى تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية وتنويع مصادر الإمداد، بينما أعادت شركات الشحن والتأمين تقييم المخاطر. تشير هذه التحركات إلى أن آثار الأزمة قد تمتد إلى ما بعد إعادة فتح المضيق، مع إعادة رسم تدريجية لمسارات التجارة وتدفقات الطاقة واستراتيجيات أمن الإمدادات حول العالم.

