لعقود طويلة، ظلت الولايات المتحدة محصنة ضد نظرية "التمدد الإمبراطوري الزائد" التي أطاحت بالإمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ، مستندة إلى تفوقها العسكري وهيمنتها المالية المطلقة. لكن هذا الصمود بات اليوم مهدداً أكثر من أي وقت مضى بفعل تحولات جيوسياسية متسارعة وعادة أميركية خطيرة ترسخت هذا القرن تقوم على "الاقتراض من الغد لتمويل حروب اليوم"، وفق صحيفة "فاينانشال تايمز".
وفي تحول هيكلي صاعق كشف عنه البنك المركزي الأوروبي مؤخراً، أطاح الذهب بسندات الخزانة الأميركية ليصبح أصل الاحتياطي الأول في العالم. حيث قفزت حصة المعدن الأصفر في احتياطيات البنوك المركزية إلى 27 في المائة بحلول نهاية العام الماضي، في مقابل تراجع حصة السندات الأميركية إلى 22 في المائة. هذا الهروب الجماعي نحو الملاذات الآمنة يتزامن مع تحذيرات علمية مرعبة أطلقها "نموذج بن وارتون للموازنة" بجامعة بنسلفانيا تؤكد أن قطار الديون الأميركية يقترب بسرعة نحو نقطة "اللانهاية" الحتمية حيث لا عودة، وفق موقع "ذي فورتشن".
في قلب العاصمة الصينية بكين، وخلال استقباله للرئيس الأميركي، طرح الرئيس الصيني شي جينبينغ سؤالاً حمل دلالات تاريخية عميقة: "هل تستطيع التغلب على فخ ثوسيديدس؟"، وكان شي يلمح بذكاء إلى النظرية اليونانية القديمة التي تفيد بأن القوى العظمى تسقط عندما تتجاوز التكاليف المادية والعسكرية لالتزاماتها الخارجية القدرة الإنتاجية لاقتصادها المحلي.
وتُظهر الأرقام الحالية أن خطر التمدد الزائد أصبح واقعاً داهماً؛ إذ تُقدر التكاليف المباشرة قصيرة المدى للصراع الحالي في إيران بنحو ملياري دولار يومياً. ورغم ذلك، تقدم ترامب إلى الكونغرس بطلب موازنة دفاع وطني بقيمة مذهلة بلغت 1.5 تريليون دولار، وهو ضعف الرقم المسجل عام 2020، والصادم أن هذا المبلغ لا يشمل حتى تكاليف حربه الأخيرة.
تشير الباحثة ليندا بيلمز من "جامعة هارفارد" إلى أن نمط تمويل النزاعات العسكرية الأميركية شهد تحولاً غير مسبوق؛ فللمرة الأولى منذ حرب الاستقلال الأميركية، جرى تمويل تكاليف الحروب بالكامل تقريباً عبر الديون، ومن خلال ما سمته "الموازنة الشبحية" التي تفتقر إلى الرقابة والمحاسبة، مما رفع الفاتورة الإجمالية لحروب ما بعد 11 سبتمبر إلى نحو 8 تريليونات دولار، وفقاً لمشروع تكاليف الحرب بجامعة براون.
هذا الإسراف المالي، جنباً إلى جنب مع تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة كورونا، دفع بالدين العام الأميركي للقفز إلى مستويات قياسية تقترب من حاجز الـ 36 تريليون دولار، ليعود إلى مستوياته التاريخية المسجلة عام 1946 فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو ما يعادل تقريباً 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي حالياً.
في هذا السياق المتأزم، جاء تقرير "نموذج بن وارتون للموازنة" ليضع الرقم الدقيق الذي ستتحول عنده الديون الأميركية إلى قنبلة موقوتة غير قابلة للإصلاح: 210 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفقاً للنموذج، يمثل هذا الرقم "الحد الخارجي الأقصى" للملاءة المالية الأميركية، والذي إذا تم تجاوزه، يصبح التخلف عن سداد ديون الخزانة أو العجز عن تمويل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية أمراً حتمياً.
وفي حين تشير توقعات مكتب الموازنة في الكونغرس إلى إمكانية نمو الدين ليصل إلى 175 في المائة بحلول عام 2056، إلا أن "بن وارتون" يرى أن الانفجار قد يحدث قبل ذلك بكثير لعدة أسباب. فاتورة الرعاية الصحية، مع الارتفاع التاريخي لتكاليف الرعاية الطبية، هناك احتمال بنسبة 25 في المائة لبلوغ الحد الأقصى للدين في غضون 14 عاماً فقط. فوات الفرص التدخلية لإنقاذ الوضع قبل فوات الأوان، ستحتاج واشنطن لفرض زيادة ضريبية دائمة ومؤلمة تصل إلى 15 نقطة مئوية كاملة على جميع دخل العمالة، وهو أمر مستبعد سياسياً.
وأكد النموذج أن سياسات ترامب لفرض تعريفات جمركية حادة قد تقلل تدفق رؤوس الأموال الدولية، مما قد يقصر المهلة الزمنية المتاحة لأميركا بمقدار سنتين إلى أربع سنوات. مع هروب المستثمرين الأجانب والبنوك المركزية من السندات الأميركية نتيجة المخاوف المرتبطة باستقلالية "الاحتياطي الفيدرالي"، ملأت صناديق التحوط هذا الفراغ عبر صفقات ممولة برافعة مالية ضخمة وقصيرة الأجل في سوق "الريبو".
ويحذر ويليام وايت، كبير الاقتصاديين السابق في بنك التسويات الدولية، من أن أي اضطراب يمس تمويل هذه الصناديق قد يؤدي إلى دوامة تسييل قسرية مرعبة في السوق. بالتوازي مع ذلك، بدأت اليابان، وهي أكبر حائز أجنبي للسندات الأميركية بنحو تريليون دولار، في إعادة توجيه أموالها إلى الداخل، فمع قيام بنك اليابان برفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، أصبحت سندات الحكومة اليابانية أكثر جاذبية، مما تسبب في تسجيل أكبر تدفق شهري إلكتروني تاريخي نحو صناديق السندات السيادية اليابانية، مسبباً ضعفاً شديداً في مزادات السندات الأميركية الأخيرة واضطرار الخزانة لرفع العوائد لجذب المشترين.
يرى المحللون أن إدارة ترامب باتت قريبة جداً من مواجهة صدمة في سوق الديون تشبه تلك التي أطاحت برئيسة الوزراء البريطانية السابقة ليز تراس بعد موازنتها غير المموّلة. وفي حال حدوث هذا التمرد في سوق السندات، سيتعين على "الاحتياطي الفيدرالي" التدخل مجبراً لشراء الديون وإنقاذ السوق، مما يدخل البلاد في فخ "الهيمنة المادية"، حيث يعجز البنك المركزي عن رفع أسعار الفائدة لمحاربة التضخم خوفاً من تضخم تكلفة خدمة الدين الحكومي.
وعلى خطى لويس الرابع عشر، ملك فرنسا الذي اعترف على فراش موته بأنه "أحب الحرب والإنفاق أكثر من اللازم"، يبدو أن ترامب مستمر في نهجه الحمائي والإنفاقي. لكن الإرث الحقيقي لهذه الحقبة سيبقى متمثلاً في جبل الديون المتراكم، والذي بدأ يقوض أركان النفوذ الأميركي في العالم، ممهداً الطريق لظهور عالم ثنائي القطب؛ أحدهما آخذ في التراجع ويقوم على الدولار المأزوم، والآخر صاعد بقوة يعتمد على الذهب واليوان الصيني.

