يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة بالغة الحساسية مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التعافي العالمي الهش، وأعادت رسم الخريطة الائتمانية والمالية العالمية.
في قلب هذه التحولات تقف اقتصادات مجلس التعاون الخليجي في مواجهة مباشرة مع تداعيات اضطرابات أسواق الطاقة وسلاسل التوريد جراء الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وفق البنك الدولي. وأكدت الصدمة الحالية أن نمو المنطقة تحت وطأة ضغوط شديدة دفعت بمعدلاته الإجمالية نحو مستويات تقارب الصفر، بينما برزت السعودية في الصدارة كأقوى أداء اقتصادي متوقع بين جاراتها، مستندةً إلى مصدات مالية وقدرات لوجستية مرنة عززت من قدرتها على كبح تداعيات الأزمة الحالية.
وفق تقرير "الآفاق الاقتصادية العالمية" الصادر عن مجموعة البنك الدولي، فإن زيادة الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة وتشديد السياسات النقدية تدفع النمو العالمي نحو مستويات متدنية، حيث تسببت هذه العوامل في خفض سقف توقعات البنك لمعدل النمو العالمي ليصل إلى 2.5 في المائة مقارنةً بنحو 2.9 في المائة في العام الماضي، مما يرسم مساراً أدنى من توقعاته السابقة.
وضعت هذه الأزمة ثلثي اقتصادات العالم تحت مقصلة التعديلات الهبوطية، وسط تحذيرات من انزلاق الاقتصاد العالمي إلى سيناريو أكثر قتامة يُعرف بـ"إجهاد الوقود والتمويل"، الذي قد يهبط بالنمو إلى 1.3 في المائة في حال تفاقمت اضطرابات الإمدادات.
في صلب هذه الأزمة، تتصدر أسواق الطاقة المشهد حيث تأثرت بشكل مباشر بالتطورات الجيوسياسية، لا سيما مع إغلاق مضيق هرمز، مما أدى إلى اضطرابات حادة في الإمدادات العالمية.
ويتوقع البنك الدولي أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 94 دولاراً للبرميل، بزيادة تقدر بنحو 36 في المائة مقارنةً بالعام الماضي، بشرط انحسار الاضطرابات بحلول منتصف العام.
ولا تقتصر التداعيات على النفط، إذ يُتوقع أيضاً ارتفاع أسعار الأسمدة مما يزيد الضغط على أسعار الغذاء العالمية، مع توقعات بارتفاع معدل التضخم العالمي إلى نحو 4 في المائة.
لم تكن الصدارة الاقتصادية للسعودية في التحديث الحالي لتقرير يونيو مفاجئة، حيث أظهرت أرقام سابقة أن المملكة نجحت في بناء مصدات اقتصادية صلبة، بل حولت التحديات الجيوسياسية الحالية إلى فرصة للتسريع من وتيرة التصحيح الهيكلي، متمثلة بنموها البالغ 3.1 في المائة.
تتطابق التقديرات الحالية مع هذا الاستشراف، حيث كشف البنك الدولي عن أرقام تعكس عمق الصدمة الإقليمية، مع توقعات بانخفاض النمو الإجمالي للمنطقة إلى 1.6 في المائة في العام المقبل.
كما أشار التقرير إلى شبه شلل لدول الخليج، حيث يُتوقع أن ينخفض النمو الإجمالي للدول المصدرة للنفط في الشرق الأوسط إلى 0.3 في المائة لعام 2026، وهو تعديل هبوطي بمقدار 4.3 نقطة مئوية.
وعزا البنك الدولي هذا التفاوت في الأداء بين مصدِّري النفط في الشرق الأوسط إلى اختلاف درجة التعرض للأعمال العسكرية، حيث من المتوقع أن يكون التباطؤ أقل حدة في السعودية نظراً لقدرتها الاستراتيجية على تحويل مسار صادراتها النفطية.
تأتي التقديرات الحالية لتكرس الفجوة في الأداء بين دول المنطقة، حيث يُتوقع أن تحقق السعودية نمواً بنسبة 3.1 في المائة، بينما تراجعت توقعات النمو للإمارات وقطر والكويت بشكل كبير.
على الرغم من التحديات، رفع البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري بنسبة 0.3 نقطة مئوية، مما يعكس استفادة البلاد من التحولات الجيوسياسية الحالية.

