تتجه الأنظار نحو عاصمة القرار المالي الأميركي، حيث تعيش البنوك المركزية الكبرى خارج واشنطن حالة استنفار قصوى لإعادة ضبط سياساتها النقدية تحت وطأة الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران. تكشف التحركات المرتقبة الأسبوع المقبل عن مفارقة حادة؛ فبينما يستعد بنك اليابان للتخلي عن حذره التاريخي والقفز بالفائدة إلى مستويات غير مسبوقة منذ 3 عقود، يبدو بنك إنجلترا أقرب إلى تبني نهج الانتظار الحذر لامتصاص صدمة انكماش الاقتصاد البريطاني.
في اجتماعه المرتقب، يتجه بنك إنجلترا إلى الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة عند مستوى 3.755 في المائة، مدفوعاً بظهور أولى علامات الإنهاك على الاقتصاد البريطاني الذي انكمش بنسبة 0.1 في المائة، مع بدء ظهور تداعيات حرب إيران على سلاسل الإمداد. ورغم أن التوقعات تشير إلى تصويت اللجنة بأغلبية 7 أصوات مقابل صوتين لصالح التثبيت، فإن الخبراء يترقبون انقساماً داخلياً حاداً قد يصل إلى 5 مقابل 4؛ حيث يُتوقع أن يقود كبير اقتصاديي البنك، هوف بيل، معسكراً متشدداً يطالب برفع الفائدة فوراً إلى 4 في المائة في إجراء استباقي لمواجهة قفزة التضخم المرتقبة.
في هذا السياق، ترى داني هوسون، رئيسة التحليل المالي في إيه جي بيل، أن التباطؤ الاقتصادي وضعف سوق العمل وحالة عدم اليقين المتزايدة ستُقنع الأعضاء الأكثر تشدداً بأن التحرُّك الأفضل حالياً هو عدم التحرُّك على الإطلاق. تُفضل هوسون التريث قبل اللحاق بالبنك المركزي الأوروبي الذي افتتح قطار رفع الفائدة الصيفي.
من جهته، يرى مايكل فيلد، كبير استراتيجيي الأسواق الأوروبية في مورنينغستار، أن الأوضاع ستزداد سوءاً دون شك في الأشهر المقبلة مع ظهور التأثيرات الكاملة للصراع الإيراني. لكن الاقتصاد البريطاني يظهر مرونة نسبية حالياً، وأي رفع للفائدة مستقبلاً سيكون مؤقتاً.
على الجانب الآخر من العالم، يبدو بنك اليابان مستعداً لإحداث انعطافة تاريخية في اجتماعه عبر رفع أسعار الفائدة القياسية من 0.75 في المائة إلى 1 في المائة، وهو مستوى لم تشهده البلاد منذ 31 عاماً. يأتي هذا القرار مدفوعاً بتسارع أسعار الجملة بنسبة 6.3 في المائة، مما يُمثل تحولاً جذرياً عن السياسات التحفيزية فائقة التيسير التي ميَّزت العقود الماضية.
تأتي هذه الخطوة الجريئة في ظل ظرف استثنائي؛ حيث يغيب حاكم البنك، كازو أويدا، بسبب وجوده في المستشفى لتلقي العلاج، ليتولى نائبه شينيتشي أوتشيدا قيادة المؤتمر الصحافي. وحول هذا الغياب، علق سايسوكي ساكاي، كبير الاقتصاديين في معهد ميزوهو للأبحاث، بأن غياب أويدا لن يؤثر على القرار المؤسسي لبنك اليابان.
يهدف البنك من هذه النبرة المتشددة إلى حماية الين الياباني الذي يترنح عند حاجز 160 يناً مقابل الدولار، وهو المستوى الحرج الذي يزيد من تكاليف الاستيراد. ومع ذلك، يواجه البنك معضلة تكتيكية؛ فالرفع يضع الفائدة عند الحد الأدنى للنطاق الاسمي الحيادي للاقتصاد الياباني، مما يستدعي الحذر.
المعركة النقدية خارج واشنطن لا تتوقف عند حدود الفائدة، بل تمتد لهندسة أسواق الدين السيادي. يستعد بنك اليابان لمراجعة خطته لتقليص مشتريات السندات الحكومية الجارية ووضع خطة جديدة لما بعد ذلك. وكشفت مصادر مطلعة عن أن البنك يدرس بجدية خيار تعليق عمليات خفض شراء السندات اعتباراً من أبريل، مما يهدف إلى حماية سوق السندات اليابانية ضد أي تقلبات عنيفة.

