شهدت الأسواق المالية العالمية موجة بيع واسعة وعنيفة، قادتها أسهم التكنولوجيا الكبرى والمؤشرات الأميركية الرئيسية مثل "إس آند بي 500" و"ناسداك 100". ودفعت حالة من "العزوف عن المخاطر" بعد تحذيرات متتالية من بدء تفكك وتراجع الاستثمارات الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي.
قال المحللون إن هذا التراجع ليس وليد خبر مفاجئ، بل هو نتيجة تراكم عوامل ومخاوف عدة استمرت أسابيع بشأن مدى استدامة تقييمات الشركات التكنولوجية. وأوضحوا أن الأسواق الآسيوية قادت التراجع، حيث أغلق مؤشر "كوسبي" في كوريا الجنوبية متراجعاً بنسبة بلغت 10 في المائة، مدفوعاً بضربات قاسية لحقت بأكبر الرابحين من طفرة الذكاء الاصطناعي مثل "سامسونغ إلكترونيكس" و"إس كي هاينكس". وأضاف استراتيجيو بنك "سيتي" أن المؤشر الكوري عاد إلى تسجيل مستويات متطرفة خطيرة.
كما امتدت الخسائر سريعاً إلى الأسواق الأوروبية، حيث تراجع مؤشر "يورو ستوكس 600" بنسبة 1.1 في المائة، في حين عمّقت العقود الآجلة للمؤشرات الأميركية خسائرها، مما وضع "وول ستريت" على مسار افتتاح شديد القسوة. وتراجع مؤشر "ناسداك 100" بأكثر من 3 في المائة، خاسراً نحو 913 نقطة.
كشف استراتيجيو بنك "يو بي إس" عن مخاطر متراكمة منذ عام 2025 وحتى منتصف عام 2026، وأطلقوا عليها استعارة "ركوب الحافلة نفسها". وأوضحوا أن هذا المصطلح يعبر عن التمركز الضخم والتركيز الهائل لرؤوس الأموال الاستثمارية والمؤسسية في نطاق ضيق جداً من الشركات، والتي تشمل مصممي أشباه الموصلات ومزودو خدمات الحوسبة السحابية وصناع رقائق الذاكرة.
اليوم، بدأ المستثمرون يدركون هذا التكدس الخطير، وأصبحوا يتساءلون عن فرص الصعود مقابل حجم المخاطر الهائلة. وعلى الرغم من أن الأسواق لا تزال تؤمن بالذكاء الاصطناعي كقصة "هيكلية طويلة الأجل"، إلا أن القناعة "التكتيكية" بدأت تتآكل، مما دفع بعض صناديق التحوط إلى تقليص حيازاتها وجني الأرباح.
توجد عاملان رئيسيان يقفان وراء تراجع شهية الاستثمار في هذا القطاع. الأول هو بلوغ "حد السرعة" لإنفاق الشركات، حيث تكمن المخاوف في أن التحديثات المتتالية للإنفاق الرأسمالي من قبل شركات التكنولوجيا العملاقة قد بدأت تتباطأ. والثاني هو مأزق "العائد مقابل التكلفة"، حيث تبحث الأسواق اليوم عن أدلة قاطعة تثبت أن العوائد المالية المباشرة تسير بوتيرة أسرع من تكاليف البنية التحتية.
الأنظار تتجه إلى ما إذا كانت عمليات البيع التكتيكية ستتحول إلى فوضى غير منظمة، أو إن "صائدي الصفقات" سيتدخلون مجدداً لدعم أسهم التكنولوجيا. وستعتمد غالبية هذا المسار على ظهور محفزات جديدة، مثل التزامات إنفاق جديدة من الشركات العملاقة. وفي هذا الصدد، تتجه أنظار المستثمرين إلى شركة "ميكرون"، والتي من المقرر أن تعلن عن نتائجها المالية، حيث ستشكل نتائجها وتوقعاتها الاختبار الحقيقي الأول لمدى صمود طفرة الذكاء الاصطناعي.

