تحولت الأصول الإسرائيلية في يونيو الجاري إلى أسوأ أداء عالمي. قال ذلك بعد موجة صعود طويلة غذتها رهانات المستثمرين على أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والجبهات المرتبطة بها ستنتهي بتحسن دائم في الوضع الأمني للاقتصاد الإسرائيلي. لكن تقدم محادثات أمريكا وإيران قلب هذه القراءة رأسا على عقب.
أظهر مؤشر تل أبيب 35 تراجعاً بأكثر من 12% مقوماً بالدولار هذا الشهر، مسجلاً أكبر خسارة بين مؤشرات الأسهم الوطنية. في حين هبط الشيكل بنحو 5% أمام الدولار منذ بداية يونيو. ليصبح أيضاً بين أسوأ العملات أداء عالمياً خلال الفترة نفسها.
وكشفت بيانات بورصة تل أبيب أن مؤشر تل أبيب 35 تراجع بنسبة 6.91% منذ بداية الشهر بالعملة المحلية حتى 22 يونيو. بينما تضاعف الأثر على المستثمر الأجنبي عند احتساب خسائر الشيكل أمام الدولار.
تأتي الخسائر بعد مكاسب كبيرة امتدت من نوفمبر حتى بداية الشهر الجاري. إذ تضاعف سوق الأسهم الإسرائيلية عدة مرات، مدفوعة بتوقعات أن تخرج إسرائيل من الحرب بوضع أمني أقوى واقتصاد تكنولوجي أكثر جاذبية.
قال المستثمرون إنهم ينظرون إلى الحرب الطويلة باعتبارها مرحلة مكلفة لكنها قد تنتهي بإضعاف خصوم إسرائيل المباشرين، من غزة إلى لبنان وإيران. لكن التحول الدبلوماسي بين واشنطن وطهران فتح الباب أمام الاعتقاد في أن إسرائيل بدأت تخسر مكاسبها سياسياً بفعل المفاوضات الأمريكية الإيرانية.
أضافت وحدة الأبحاث في بنك هبوعليم الإسرائيلي في مذكرة نقلتها بلومبرغ أن الاتفاق الناشئ بين أمريكا وإيران يُنظر إليه محلياً باعتباره لا يحسن وضع إسرائيل الأمني طويل الأجل بل إنه أقل من التوقعات المرتفعة التي تشكلت في بداية الحملة العسكرية ضد إيران.
يرتبط هذا القلق بأن إسرائيل ليست طرفاً مباشراً في محادثات أمريكا وإيران، رغم أنها شاركت في إطلاق الحرب على إيران أواخر فبراير. ما ترك المستثمرين أمام اتفاق يتبلور دون تل أبيب، لكنه يمس ساحات تعتبرها إسرائيل جزءاً من أمنها المباشر، خصوصاً لبنان.
تمثل الساحة اللبنانية العقدة الأبرز في محادثات واشنطن وطهران، إذ تتمسك إيران بإنهاء العمليات الإسرائيلية هناك، بينما تصر إسرائيل على الاحتفاظ بما تسميه "مناطق أمنية" في جنوب لبنان لمواجهة حزب الله.
نقلت أكسيوس عن مصدرين إسرائيليين أن الحكومة الإسرائيلية تخشى أن تؤدي التفاهمات الجديدة بين أمريكا وإيران إلى إضفاء شرعية على نفوذ طهران في لبنان وتآكل حرية العمل العسكري الإسرائيلي هناك. بعدما أصبحت آلية منع الاشتباك المقترحة تشمل واشنطن وطهران ولبنان والوسطاء، من دون مشاركة مباشرة لإسرائيل.
يرى مسؤولون إسرائيليون أن الصيغة الجديدة قد تقوض تفاهمات سابقة سمحت لإسرائيل بالتحرك ضد تهديدات حزب الله، في حين تركز الآلية الجديدة على منع التصعيد لا على تفكيك البنية العسكرية للحزب في جنوب لبنان.
أثار الاتفاق الأميركي الإيراني الناشئ سجالاً واسعاً داخل إسرائيل. إذ قالت صحيفة إسرائيل هيوم إن المؤسسة السياسية الإسرائيلية "استيقظت" على اتفاق يتشكل بعيداً عنها. ونقلت عن الوزير إيتمار بن غفير قوله إن إسرائيل ليست ملزمة باتفاق ترمب.
قال زعيم المعارضة يائير غولان إن الردع الذي تحقق بدماء الجنود بدأ يتبدد. كما نقلت الصحيفة عن رئيس حزب "ياشار" غادي آيزنكوت قوله إن الفجوة بين وعود "النصر الكامل" وما يحدث الآن لا يمكن أن تكون أوسع، في انتقاد مباشر للحكومة الإسرائيلية وطريقة إدارتها للحرب ومسار الاتفاق.
أظهرت استطلاعات الرأي حجم أزمة الثقة الداخلية، إذ نشر تايمز أوف إسرائيل نتائج استطلاع للقناة 12 قال فيه 71% من الإسرائيليين إنهم لا يثقون بأن ترمب سيراعي مصالح إسرائيل في الاتفاق مع إيران، بينما رأى 52% أن أداء نتنياهو أضر بالمصالح الإسرائيلية في الاتفاق.
نقلت بلومبيرغ عن كبير اقتصاديي الأسواق في بنك مزراحي طفحوت الإسرائيلي رونين مناحيم قوله إن الأصول الإسرائيلية ارتفعت بقوة خلال العام الماضي. ولذلك قد تكون التطورات الأخيرة فرصة لجني الأرباح. مضيفاً أنه يرى الحركة تكتيكية لا إستراتيجية في الوقت الحالي.
قال كبير الاقتصاديين في آي بي آي إنفستمنت هاوس رافائيل غوزلان إن ما يحدث "عملية صحية" تضيق الفجوة بين الأسواق والأساسيات الاقتصادية. إذ بدأت الأسواق تستوعب أن الحرب مع إيران لم تنته بشكل دائم. وأن استمرارها سيضغط على الاقتصاد.
تراجعت تقييمات الأسهم الإسرائيلية إلى أدنى مستوياتها منذ يناير، استناداً إلى نسبة السعر إلى الأرباح المتوقعة. كما خفض محللون تقديرات أرباح شركات مؤشر تل أبيب 35 بنحو 4% خلال الأسابيع الخمسة الماضية، في إشارة إلى أن القلق لم يعد سياسياً فقط بل بدأ ينعكس على توقعات الأرباح.
تقول بلومبيرغ إن هبوط المؤشر دفعه إلى ما دون متوسطه المتحرك لمئة يوم لأول مرة منذ أبريل، وهو مستوى يراقبه المتعاملون باعتباره إشارة فنية إلى ضعف الزخم بعد صعود طويل.
يزيد تدهور العلاقة العلنية بين ترمب ونتنياهو من ضغط الأسواق، إذ نقلت بلومبرغ عن إستراتيجي العملات في إن تاتش كابيتال ماركتس بيوتر ماتيس قوله إن التدهور في العلاقة بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي ربما ساهم في دفع المستثمرين إلى جني أرباحهم من الشيكل.
نقل أكسيوس عن مصادر إسرائيلية أن نتنياهو أكثر قلقاً حالياً من جزء لبنان في التفاهمات الأميركية الإيرانية مقارنة بالعناصر النووية. وأنه استعان بالمقرب منه رون ديرمر لمحاولة التأثير في فريق ترمب بشأن ملف لبنان.

