اتخذت المغربية مريم السيد قرارا بالاستقالة من وظيفتها في أحد المستشفيات الحكومية لتلتحق بالعمل مسؤولة عن النظام المعلوماتي في شركة العائلة المتخصصة في استيراد وتصدير الخشب وتسويقه محليا.
وقالت مريم إن الشركة، التي لها امتدادات في عدة مدن مغربية، تشغل حوالي 20 فرداً من العائلة في مهام مختلفة.
وأضافت أن هذه الشركة، التي أسسها شقيق زوجها، تقوم على مبدأ التخصص، إذ يتولى كل فرد من العائلة وخارجها مهمة محددة تتناسب مع تكوينه العلمي وخبراته المهنية.
وبالنسبة لمريم، وهي حاصلة على بكالوريوس في علوم الحاسوب وأم لطفلين، يمثل العمل في الشركة العائلية فرصة لتكريس جهدها وخبرتها لضمان نجاح هذا الاستثمار العائلي.
وأشارت إلى أن من أبرز إيجابيات هذه التجربة هي المرونة التي تتيح لها الموازنة بين التزاماتها الأسرية وواجباتها المهنية دون أي تقصير. فطبيعة عملها الرقمي تمنحها امتياز العمل عن بعد، إذ لا يتطلب إنجاز مهامها سوى حاسوب واتصال بالإنترنت، مما يخولها العمل من مكتبها بالشركة أو من منزلها إذا واجهت ظروفا أسرية قاهرة.
وتمثل الشركات العائلية حوالي 93% من الشركات المغربية وتنتج ما يزيد على 60% من القيمة المضافة الوطنية، وفق دراسة وطنية أنجزها معهد المقاولة العائلية بالمغرب بدعم من المؤسسة الدولية للتمويل.
وأعلنت نتائج الدراسة أن هذه الشركات تساهم في إحداث نحو 65% من فرص العمل بالمغرب، أي ما يقارب 6.3 ملايين فرصة عمل.
تعرف الشركة العائلية بأنها المؤسسة التي يتحكم في قراراتها فردان أو أكثر من نفس العائلة، سواء على مستوى التسيير أو تولي المناصب والمهام أو ملكية رأس المال.
وأضاف باحثون معيارا آخر لتحديد هويتها، وهو معيار انتقال الملكية والمسؤولية الإدارية بين الأجيال المتعاقبة.
وتميزت دراسة أنجزها الباحثان في علم الاجتماع عبد الغني منديب والطاهر صابر بين نوعين من الشركات العائلية بالمغرب بناء على حجم رأس المال.
- الأول ينحدر من أصول اجتماعية متواضعة ذات إمكانيات مالية محدودة وطموحها محصور في ضمان البقاء وتوفير فرص عمل لأفرادها والحفاظ على دخل عائلي معقول.
- والنوع الثاني هو شركات عائلية تنحدر من أصول برجوازية صغرى، تعمل على تحقيق التراكم المالي والعقاري لتوفير ضمانات لدى البنوك تتيح لها الاستفادة من قروض الاستثمار، مما يرفع حجم معاملاتها ومداخيلها وينقلها من فئة الشركات الصغرى إلى فئة الشركات المتوسطة والكبرى.
وتنشط الشركات العائلية بالمغرب أساسا في مجالات البناء والزراعة والبنوك والصناعة والسياحة والخدمات والتعليم الخصوصي.
ويرى الخبير الاقتصادي أمين سامي أن الشركات العائلية ليست مجرد وحدات اقتصادية، إنما هي بنية استقرار اجتماعي.
وأشار إلى أن دورها يبرز بشكل أكبر في المدن الصغرى والمتوسطة إذ تشكل صمام أمان ضد الفراغ الاقتصادي المحلي عبر توفير فرص العمل وتنشيط التجارة والخدمات وربط الموردين بالأسواق، مما يحد من الهجرة الاقتصادية نحو المدن الكبرى.
وأضاف سامي أن قرب هذه الوحدات الاقتصادية من المجتمع يجعلها أكثر مرونة في إدماج الشباب خاصة أفراد العائلة، غير أنه حذر من أن بقاءها غير مهيكلة قد يحولها من عامل استقرار إلى عامل هشاشة.
من جهته، قال رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، عبد الله الفركي، إن الشركات العائلية تشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني بمساهمتها في خلق الثروة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
غير أن الفركي يتحفظ على دقة الأرقام المعلنة، مرجحا أن تكون دراسة معهد المقاولة العائلية ركزت أساسا على المقاولات المنظمة والمهيكلة.
وأوضح الفركي أن إدماج أرقام الشركات الصغيرة جدا (تشغل أقل من 10 أشخاص) سيغير الصورة تماما، فهذه الفئة تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني بأكثر من 4 ملايين شركة.
ويضيف أن أغلب هذه المشاريع لم تؤسس كشركات عائلية وإنما كمحاولات فردية لشباب يبحثون عن بدائل لواقع البطالة، فضلا عن أن 70% منها تتعرض للإفلاس في سنواتها الخمس الأولى.
ومع ذلك، يرى أن الشركات العائلية بالمغرب تمثل نموذجا اقتصاديا وحضاريا يكشف حضور قيم الثقة والتضامن العائلي والانتماء للأرض.
وتعد الاستمرارية ونقل الإدارة للأجيال اللاحقة، لا سيما الجيل الثالث، تحديا كبيرا يواجه الشركات العائلية.
وقد أظهرت دراسة معهد المقاولة العائلية أن متوسط استمرارية المقاولات العائلية يصل إلى 24 سنة، ويقود الجيل الثاني نحو 31% من هذه الشركات.
في حين تجاوزت 15% منها فقط مدة الخمسين سنة من الاستمرارية وبلغت الجيل الثالث.
وغالبا ما تؤجل العائلات ترتيبات نقل الإدارة مما يجعل الشركة ضحية لصراعات الشركاء وتضارب مصالحهم.
ويرى الخبير الاقتصادي أمين سامي أن فشل التعاقب بين الأجيال لا يؤثر على العائلة وحدها فقط بل يطال شبكة كاملة من الأجراء والموردين والزبناء.
ويؤكد على ضرورة تدبير مسألة الخلافة بأسلوب مؤسساتي وليس عاطفي، من خلال صياغة ميثاق عائلي وإعداد خطة تعاقب وفصل الملكية عن التسيير.
بدوره، يشدد الفركي على أهمية الفصل التدريجي بين الملكية والتسيير، ويرى أن اعتماد قواعد حوكمة واضحة داخل المقاولة العائلية من شأنه أن يساهم في استمراريتها عبر الأجيال.
ويرى أن أي مقاربة لدعم الشركات العائلية يجب ألا تقتصر على الشركات الكبرى والمتوسطة المستقرة، بل يجب أن تشمل المقاولات الصغيرة جدا.
ويدعو الحكومة إلى إحداث وكالة باسم "مغرب المقاولة الصغيرة جدا" وإنشاء بنك عمومي مخصص لهذه الفئة، لأن التمويل هو مفتاح الاستدامة.
وشكلت سياسة الخصخصة بالمغرب نقطة تحول تاريخية بالنسبة للشركات العائلية الكبرى التي راكمت ثروات في مرحلة ما بعد الاستقلال.
وكانت هذه الشركات هي المستفيد الأبرز من خصخصة مؤسسات تمتلكها الدولة، حيث تمكنت من الاستحواذ على أصول إستراتيجية في قطاعات حيوية.
وتواجه هذه المجموعات الاقتصادية العائلية انتقادات تتعلق بتركز الثروة في يدها واحتكار عدد من القطاعات، مما خلق حواجز أمام الشركات الصغرى والمتوسطة.
ويرى أمين سامي أن هذه الانتقادات واقعية جزئيا، مشيرا إلى أن التهديد ليس في طبيعة الشركة كونها "عائلية" بل في اجتماع عدة عناصر.

