اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

لندن تفقد مركزها كأكبر قطب للخدمات المالية في الاتحاد الأوروبي بعد البريكست

{title}

فقدت مدينة لندن مركزها كأكبر قطب للخدمات المالية في الاتحاد الأوروبي منذ خروج بريطانيا من التكتل ولم تعد تبيع خدماتها المالية داخل الاتحاد بالسهولة التنظيمية السابقة. لا سيما بعدما فقدت نظام جواز السفر المالي الذي كان يسمح للشركات المرخصة بالعاصمة البريطانية بخدمة عملاء الاتحاد. وفق ما ذكر البنك المركزي الأوروبي.

وفي تقريرها الأحدث عن التنافسية المالية العالمية، تقول مؤسسة مدينة لندن إن ناتج الخدمات المالية والمهنية المرتبطة بها في المملكة المتحدة بلغ 307 مليارات جنيه إسترليني. أي نحو 12% من الناتج الاقتصادي البريطاني. ودفعت 110 مليارات جنيه ضرائب في 2023. وتوظف أكثر من 2.4 مليون شخص.

لكن المؤسسة أشارت إلى أن القطاع خرج من البريكست أكثر اضطرارا لتنويع أسواقه خارج أوروبا. وأكثر اعتمادا على رهان عالمي يمتد إلى الولايات المتحدة وآسيا والشرق الأوسط.

يقول أستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في كينغز كوليدج لندن، جوناثان بورتس، إن الأثر الاقتصادي العام لبريكست كان كبيرا وسلبيا. كما توقّع الاقتصاديون على نطاق واسع. مرجحا أن يكون الناتج المحلي الإجمالي البريطاني أقل بنحو 3% إلى 5% مما كان سيكون عليه لولا بريكست.

كان مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني توقع أن تنخفض إنتاجية بريطانيا على المدى الطويل 4% مقارنة بسيناريو البقاء في الاتحاد الأوروبي. كما خلصت وحدة اقتصاديات لندن الكبرى إلى أن اقتصاد لندن كان في 2019 أقل بنحو 6.2%. مما كان سيكون عليه لو صوّتت بريطانيا للبقاء.

لكن بورتس يفرّق بين أثر بريكست على الاقتصاد البريطاني ككل وأثره على حي المال تحديدا، قائلا إن الخروج من الاتحاد الأوروبي أضعف مدينة لندن. لكنه يضيف أن الضرر لم يكن بالحجم الذي خشيه كثيرون. إذ انتقل بعض النشاط والوظائف إلى باريس وفرانكفورت ودبلن. لكن لندن ما تزال إلى حد بعيد أكبر مركز مالي في أوروبا.

ويختصر الخبير الاقتصادي البريطاني وزميل الأبحاث في المعهد الأوروبي التابع لكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، إيان بيغ، المسألة بالقول إن المخاوف من ضرر كبير يلحق بمدينة لندن ثبت أنها مبالغ فيها إلى حد كبير.

يقول البنك المركزي الأوروبي إن خروج بريطانيا جعلها دولة ثالثة من منظور الاتحاد. وإن البنوك في المملكة المتحدة لم تعد قادرة على خدمة عملاء الاتحاد عبر جواز السفر المالي. أي الحق في تقديم الخدمات عبر الحدود أو الفروع بشروط تفضيلية من دولة عضو واحدة.

في العرف السياسي للاتحاد الأوروبي، تُصنف الدول إلى ثلاث فئات: الدولة الأولى هي الدولة العضو نفسها، والدولة الثانية هي الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد، وأما الدولة الثالثة فهي أي دولة تقع خارج النطاق الجغرافي والسياسي للاتحاد ومؤسساته.

وحسب لجنة الشؤون الأوروبية في مجلس اللوردات، فإن غياب أحكام تجارة مالية في اتفاق التجارة والتعاون، مع فقدان قواعد الجواز المالي، دفع شركات في سوق التأمين اللندنية إلى إعادة الهيكلة وإنشاء شركات تابعة داخل الاتحاد كي تواصل خدمة العملاء الأوروبيين.

وتُظهر بيانات شركة إرنست آند يونغ للخدمات المهنية أن 44% من أكبر 222 شركة خدمات مالية ذات عمليات مهمة في المملكة المتحدة أعلنت، منذ استفتاء الانفصال، خططا لنقل بعض العمليات أو الموظفين إلى الاتحاد الأوروبي. وتقول إن 24 شركة أعلنت تحويل أصول بريطانية تزيد قليلا على 1.3 تريليون جنيه إسترليني إلى الاتحاد. بينما استقر عدد انتقالات الموظفين المعلنة عند ما يزيد قليلا على 7 آلاف بحلول مارس 2022.

وحسب شركة الخدمات نفسها، فإن نقل الأصول تسارع قبيل نهاية المرحلة الانتقالية بعدما اتضح أن اتفاق بريطانيا والاتحاد الأوروبي لن يمنح قطاع الخدمات المالية البريطاني تنازلات تجارية موازية لما كان يتمتع به داخل السوق الموحدة. وبذلك كان الوزن المالي المنتقل أكبر من عدد الموظفين المنتقلين.

لم تتحقق أسوأ التوقعات التي راجت بعد الاستفتاء. ومنها تقديرات كانت تتحدث عن عشرات الآلاف من الوظائف التي قد تغادر بريطانيا. فمجلس اللوردات أشار إلى أن تقديرات مبكرة تحدثت عن 75 ألف وظيفة في سيناريو بريكست شديد القسوة. لكن أرقام إرنست آند يونغ المعلنة انخفضت من نحو 12 ألف وظيفة متوقعة في 2016 إلى نحو 7 آلاف لاحقا.

لكن بحث أكاديمي لسارة هول ومارتن هينيغان عن الوظائف المالية المفقودة في المملكة المتحدة يلفت إلى أن الانتقالات الفعلية كانت أقل من التوقعات الأولى. لكنه يشير إلى قلق وظائف لم تُنقل بالضرورة من لندن إلى أوروبا. بل لم تُخلق أصلا في لندن بعد بريكست. في ظل تباطؤ نمو التوظيف المالي.

وحسب مسح إرنست آند يونغ، كانت باريس الوجهة الأولى من حيث عدد الموظفين المنتقلين أو المخطط انتقالهم إلى مدينة واحدة. بنحو 2800 موظف. تلتها فرانكفورت بنحو 1800. ثم دبلن بنحو 1200. أما من حيث اختيار المراكز الأوروبية للعمليات والمكاتب، تصدرت دبلن بـ36 شركة. ثم لوكسمبورغ بـ29. وفرانكفورت بـ23. وباريس بـ21.

ويرى الباحث في الشؤون الاقتصادية الأوروبية ريان رسول أن المكسب الفعلي للاتحاد الأوروبي ظهر تحديدا في انتقال جزء من أصول القطاع المصرفي البريطاني وعشرات الآلاف من الوظائف أو فرص التوظيف المستقبلية إلى مراكز أوروبية بديلة. لكنه يؤكد أن ما حدث لم يكن ولادة لندن جديدة داخل أوروبا. بل تشرذم المراكز المالية.

ويشير بحث روبرت بانيتز ويوهانس غلوكلر عن قرارات انتقال الخدمات المالية بعد بريكست إلى أن النمط الأقرب لما حدث ليس انتقالا مركزيا لبناء عاصمة مالية أوروبية واحدة. بل انتقال بالحد الأدنى الضروري لتلبية المتطلبات التنظيمية.

وحسب دراسة أكاديمية لأستاذ الاقتصاد السياسي والحوكمة في جامعة توينته الهولندية، فإن البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية ضغطا على الشركات المالية القائمة في المملكة المتحدة كي تنقل أنشطة إلى الاتحاد بحلول 2022. لكن الشركات اختارت المدن الأنسب لنماذج أعمالها.

ويقول المحلل الاقتصادي محمد غازي المروّح إن باريس وفرانكفورت وأمستردام نجحت جزئيا في اقتناص بعض الأنشطة التي كانت تتمركز في لندن. لكنها لم تحقق المكسب الكبير الذي توقعه كثيرون بعد الاستفتاء.

وضع مؤشر المراكز المالية العالمية جي إف سي آي 39، المنشور في مارس، لندن في المركز الثاني بعد نيويورك. مع استمرار العاصمة البريطانية في قيادة منطقة أوروبا الغربية.

وصنّفت مؤسسة مدينة لندن العاصمة البريطانية في 2026 أعلى من نيويورك وسنغافورة وباريس وفرانكفورت ضمن مقياسها الخاص للعرض العالمي للأعمال.

وتوضح ذا سيتي يو كي أن المملكة المتحدة لا تزال أكبر مصدّر صافٍ للخدمات المالية في العالم. بفائض تجاري بلغ 127 مليار دولار. وأن الولايات المتحدة أصبحت أكبر شريك تجاري للخدمات المالية والمهنية المرتبطة بها في بريطانيا بنسبة 35.1% من الصادرات. تليها دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة بنسبة 31%.

وتقول مؤسسة مدينة لندن إن صادرات الخدمات المالية البريطانية بلغت رقما قياسيا عند 120.3 مليار جنيه. وإن فائض التجارة في الخدمات المالية وصل إلى 92.2 مليار جنيه. مدفوعا خصوصا بزيادة الصادرات إلى الولايات المتحدة.

وتشير مؤسستا مدينة لندن ونيو فاينانشال في تقرير مشترك أن الترابط بين أسواق الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ما يزال حقيقة قائمة. إذ زاد النشاط المصرفي الأوروبي المتعلق بمؤسسات بريطانية 60% منذ استفتاء الانفصال. وما يزال ثلثا تداول المشتقات المقومة باليورو يحدث في لندن.

والمشتقات المالية المقومة باليورو هي عقود مالية يتم تسعيرها وتصفية أرباحها وخسائرها بالعملة الأوروبية المشتركة. وليس بالدولار أو الإسترليني.