أقر الاتحاد الأوروبي رسميا اتفاقا تجاريا جديدا مع الولايات المتحدة، يقضي بإلغاء الرسوم الجمركية الأوروبية على السلع الصناعية الأميركية، ويمنح عدد من المنتجات الزراعية والبحرية الأميركية وصولا تفضيليا إلى السوق الأوروبية، مقابل تطبيق الولايات المتحدة سقفا جمركيا على شريحة واسعة من الصادرات الأوروبية مع استثناءات لعدد من القطاعات والمنتجات.
ويأتي إقرار الاتفاق بعد أشهر من المفاوضات والتجاذبات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، وفي أعقاب تفاهم سياسي توصل إليه الجانبان، قبل أن يستكمل مساره التشريعي بإقرار اللوائح المنظمة لتنفيذه.
ويكتسب الاتفاق أهمية خاصة لأنه يأتي بعد عام اتسم بتصاعد التوترات التجارية بين الجانبين، مع فرض الولايات المتحدة رسوما جمركية على عدد من المنتجات الأوروبية، ولوائح بفرض رسوم إضافية على قطاعات استراتيجية، في وقت سعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى تجنب تحول الخلاف التجاري إلى أزمة أوسع تمس ملفات الأمن والدفاع والطاقة والعلاقات عبر الأطلسي.
يقضي الاتفاق بإعادة تنظيم عدد من الرسوم الجمركية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إذ يلتزم الاتحاد الأوروبي بإلغاء الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأميركية، ومنح عدد من المنتجات الزراعية والبحرية الأميركية نفاذا تفضيليا إلى السوق الأوروبية، مقابل تطبيق الولايات المتحدة سقفا جمركيا يبلغ 15% على شريحة واسعة من الصادرات الأوروبية مع استثناءات لعدد من القطاعات والمنتجات.
وبموجب الاتفاق، يشمل الانفتاح الأوروبي عددا من المنتجات الزراعية والغذائية والبحرية الأميركية، من بينها المكسرات، ومنتجات الألبان، والفواكه والخضراوات الطازجة والمصنعة، والأغذية المصنعة، وزيت فول الصويا، ولحوم الخنزير والبيسون، إضافة إلى تمديد الإعفاء الجمركي على واردات الكركند الأميركي (الاستاكوزا) بما يشمل المنتجات المصنعة منه.
في المقابل، تلتزم الولايات المتحدة بتطبيق السقف الجمركي، مع الاكتفاء بتعرفة الدولة الأولى بالرعاية بالنسبة لبعض المنتجات مثل الطائرات وقطع الغيار والأدوية الجنيسة ومكوناتها وبعض الموارد الطبيعية غير المتوافرة في السوق الأميركية.
ورغم التوصل إلى هذه الترتيبات، فإن الاتفاق لم يحسم جميع الملفات التجارية بين الجانبين، إذ لا تزال الرسوم الأميركية المفروضة على الصلب والألمنيوم ومشتقاتهما محل تفاوض، مع استمرار المشاورات بشأن ترتيبات خاصة أو حصص جمركية لهذه المنتجات.
تعكس أهمية الاتفاق حجم العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، إذ تمثل التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة نحو 30% من التجارة العالمية في السلع والخدمات، بينما يشكل اقتصاداهما معا نحو 43% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
كما تجاوزت قيمة التجارة الثنائية في السلع والخدمات 1.7 تريليون يورو (نحو 2 تريليون دولار) خلال العام، في حين بلغت الاستثمارات المتبادلة أكثر من 4.8 تريليونات يورو (نحو 5.6 تريليونات دولار)، ما يجعل أي تغيير في الرسوم الجمركية مؤثرا في واحدة من أكبر العلاقات التجارية والاستثمارية في العالم.
يعود تسريع الاتحاد الأوروبي إقرار الاتفاق إلى مجموعة من الاعتبارات الاقتصادية والسياسية، فمن الناحية التجارية، سعت بروكسل إلى تجنب حرب تجارية مع الولايات المتحدة بعد أشهر من التهديدات الأميركية بفرض رسوم أعلى على عدد من الصادرات الأوروبية، من بينها السيارات وقطع الغيار والصلب والألمنيوم والنحاس، كما رأت أن تثبيت الرسوم الأميركية عند سقف 15% يوفر قدرا أكبر من اليقين للشركات مقارنة باستمرار حالة التصعيد وعدم وضوح السياسات التجارية.
كما ارتبطت الموافقة بطبيعة العلاقة الاقتصادية بين الجانبين، التي تشمل تجارة السلع والخدمات والاستثمارات وسلاسل الإمداد، إذ إن استمرار الغموض الجمركي كان سيؤدي إلى تأجيل قرارات الاستثمار وزيادة الضغوط على الشركات، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة.
إلى جانب ذلك، حضرت الاعتبارات السياسية والأمنية، في ظل ارتباط العلاقات الاقتصادية بملفات أوسع، أبرزها الحرب في أوكرانيا، والتعاون الدفاعي، وأمن الطاقة، وهو ما جعل الحفاظ على استقرار العلاقة مع واشنطن أولوية بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
يعتبر أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية أن سرعة الموافقة الأوروبية لا يمكن تفسيرها بالاعتبارات التجارية وحدها، بل تعكس حرص بروكسل على الحفاظ على الدعم الأميركي في الملف الأوكراني، سواء على المستوى العسكري أو الاستخباراتي أو التكنولوجي، وتجنب انتقال الخلاف التجاري إلى هذه الملفات.
من جانب آخر، يقول الباحث في الشؤون الاقتصادية الأوروبية إن الاتحاد الأوروبي اختار الاستقرار التجاري على الدخول في مواجهة مع واشنطن، لافتا إلى أن البرلمان الأوروبي أضاف ضمانات تسمح بتعليق الاتفاق إذا أخلت الولايات المتحدة بالتزاماتها، كما حدد مدة سريانه حتى نهاية عام، بما يتيح إعادة تقييمه قبل اتخاذ قرار بتمديده.
تعود جذور الخلاف التجاري بين الجانبين إلى اختلال الميزان التجاري، ففي العام، حقق الاتحاد الأوروبي فائضا في تجارة السلع مع الولايات المتحدة بلغ نحو 198 مليار يورو (نحو 232 مليار دولار)، مقابل عجز في تجارة الخدمات بلغ 148 مليار يورو (نحو 173 مليار دولار)، ليصل الفائض الإجمالي في السلع والخدمات إلى نحو 50 مليار يورو (نحو 59 مليار دولار)، وهو ما استندت إليه إدارة الرئيس الأميركي في مطالبتها بإعادة التوازن للعلاقات التجارية.
تشير بنود الاتفاق إلى أن الولايات المتحدة حققت مكاسب على أكثر من صعيد، إذ حصلت على دخول أوسع إلى السوق الأوروبية عبر إلغاء الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأميركية، إضافة إلى تحسين وصول عدد من المنتجات الزراعية والبحرية والغذائية الأميركية إلى الأسواق الأوروبية.
كما تضمن الاتفاق تعهدات أوروبية بزيادة مشتريات الغاز الطبيعي المسال والنفط والمنتجات النووية الأميركية، وشراء ما لا يقل عن 40 مليار دولار من رقائق الذكاء الاصطناعي لمراكز الحوسبة الأوروبية، إلى جانب تشجيع استثمارات أوروبية إضافية في الولايات المتحدة، وتعزيز التعاون في مجالات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا.
يرى الباحث أن هذه البنود تجعل الولايات المتحدة الرابح الأبرز من الاتفاق، لأن الاتحاد الأوروبي قبل برسوم أميركية تبلغ 15% على شريحة واسعة من صادراته، في حين تدخل معظم السلع الصناعية الأميركية إلى السوق الأوروبية معفاة من الرسوم، معتبرا أن الاتحاد الأوروبي حقق "انتصارا دبلوماسيا بثمن اقتصادي".
في المقابل، يرى الخبير أن الاتفاق خفف الضغوط عن عدد من القطاعات الأوروبية، بعدما كانت تواجه احتمال فرض رسوم أعلى بكثير، لكنه يؤكد أن الإبقاء على سقف 15% سيؤثر في القدرة التنافسية للصادرات الأوروبية داخل السوق الأميركية.
قد يستفيد المستهلك الأوروبي من انخفاض أسعار بعض السلع الأميركية، ولا سيما المنتجات الغذائية المصنعة وبعض المنتجات الزراعية والسلع الصناعية التي ستدخل برسوم أقل أو معفاة من الرسوم.
غير أن خفض الرسوم الجمركية لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار النهائية بالنسبة نفسها، إذ قد يحتفظ المستوردون والموزعون بجزء من الوفر، كما قد تمتص تكاليف النقل والطاقة وسلاسل الإمداد جزءا من المكاسب.
أما في الولايات المتحدة، فمن المرجح أن يتحمل المستهلك جزءا من كلفة الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات الأوروبية، لأن هذه الرسوم يدفعها المستورد الأميركي غالبا قبل أن تنتقل جزئيا إلى المستهلك النهائي في صورة أسعار أعلى.
يشير الخبير إلى أن المصدر الأوروبي قد يخفض هامش ربحه، كما قد يتحمل الموزع الأميركي جزءا من الزيادة للحفاظ على عملائه، إلا أن جزءا مهما من الرسوم سينعكس في نهاية المطاف على المستهلك الأميركي.
تختلف آثار الاتفاق بين القطاعات الاقتصادية، إذ تستفيد بعض الصناعات من تخفيف القيود الجمركية والاستثناءات الواردة في الاتفاق، بينما تبقى قطاعات أخرى عرضة لضغوط المنافسة أو استمرار الرسوم.
في أوروبا، تبرز قطاعات الطيران والأدوية الجنيسة والسيارات بين أكثر القطاعات استفادة، بعدما حصلت على استثناءات جمركية أو واجهت رسوما أقل من المستويات التي كانت مطروحة خلال المفاوضات.
بينما تبقى الزراعة والصناعات الغذائية الأوروبية وبعض الشركات الصغيرة والمتوسطة أكثر عرضة للمنافسة الأميركية، خاصة مع إزالة أو تخفيض الرسوم على عدد من المنتجات الأميركية.
كما لا تزال صناعات الصلب والألمنيوم ومشتقاتهما خارج التسوية النهائية، مع استمرار الرسوم الأميركية المرتفعة عليها، بينما تواجه قطاعات الآلات الصناعية والإلكترونيات والمواد الكيماوية ومكونات السيارات تحديات مرتبطة بإعادة تشكيل سلاسل الإمداد واستمرار الرسوم الأميركية على جزء واسع من الصادرات الأوروبية.

