أزمات البحر الأحمر ومضيق هرمز لم تعد مجرد اضطرابات عابرة في مسارات التجارة البحرية، بل كشفت أن أمن الطاقة العالمي لا يتحدد فقط بحجم الإنتاج أو المخزونات. وأوضح الخبراء أن النفوذ في هذا المجال يتوزع بين من يملك السفن القادرة على نقل النفط والغاز، ومن يبنيها، ومن يمولها ويدير مخاطرها.
في لحظات التوتر الجيوسياسي، يتحول مالكو الناقلات من مجرد ناقلين للخام والغاز إلى طرف مؤثر في كلفة الطاقة. وأشاروا إلى أن تردد السفن في دخول مناطق الخطر، وارتفاع أقساط التأمين، وإعادة توجيه المسارات البحرية، كلها عوامل ترفع كلفة الشحن حتى لو لم يتغير سعر البرميل نفسه.
تظهر خريطة الملكية أن النفوذ لا يتركز فقط لدى الدول المنتجة للنفط والغاز، بل لدى دول تملك رأس المال البحري والخبرة التشغيلية وشبكات التمويل والتأجير. وتعتبر الصين واليابان واليونان وسنغافورة من المراكز الرئيسية في ملكية ناقلات النفط والغاز، بينما تبرز كوريا الجنوبية بقوة في التصنيع وبناء السفن.
بيانات "فيسلز فاليو" حتى يناير تؤكد أن الصين تتصدر الدول المالكة للسفن من حيث القيمة الإجمالية للأسطول البحري، بقيمة تبلغ نحو 255.2 مليار دولار، تليها اليابان بـ231.4 مليار دولار، ثم اليونان بقرابة 188.1 مليار دولار. أما الولايات المتحدة وسنغافورة، فتبلغ قيمة أسطول كل منهما 116.4 مليار دولار و107.2 مليار دولار على التوالي.
لكن خريطة النفوذ تختلف عند التركيز على ناقلات النفط والغاز. وفي فئة ناقلات النفط، تتصدر اليونان بقيمة أسطول تبلغ نحو 71.3 مليار دولار، تليها اليابان بنحو 53.6 مليار دولار، ثم الصين بنحو 48 مليار دولار. وهذا يعكس استمرار الثقل التاريخي لليونان في ملكية وتشغيل ناقلات النفط.
في مجال ناقلات الغاز الطبيعي المسال، تبرز اليابان في المركز الأول بقيمة تقارب 40.9 مليار دولار، تليها اليونان بنحو 32.4 مليار دولار، ثم الصين بنحو 26.9 مليار دولار. ويشير هذا إلى أن ملكية ناقلات الغاز المسال تتركز بدرجة كبيرة لدى قوى آسيوية وأوروبية.
أما في ناقلات غاز البترول المسال، فتتصدر اليابان أيضا بقيمة تبلغ نحو 15.1 مليار دولار، تليها سنغافورة بنحو 14 مليار دولار. وتوضح الأرقام احتفاظ اليونان بثقل واضح في سوق الناقلات، رغم الصعود الملحوظ للصين.
على مستوى شركات تشغيل ناقلات النفط، تتصدر فرونت لاين القائمة بإيرادات بلغت 1.77 مليار دولار خلال آخر 12 شهرا، تليها سي إم بي تك بإيرادات 1.30 مليار دولار. ويبرز دور شركة "سكوربيو تانكرز" في نقل المنتجات النفطية، حيث تشغل 93 ناقلة تضم 37 ناقلة بعيدة المدى.
يظهر الفرق بين "الدولة المالكة" و"الشركة المشغلة" في أن الشركة قد تكون مسجلة في دولة، والسفينة ترفع علم دولة أخرى مثل بنما. لذلك فإن النفوذ الحقيقي في سوق الناقلات موزع بين الملكية والتشغيل والتمويل.
تتركز صناعة ناقلات النفط والغاز في شرق آسيا، خصوصا الصين وكوريا الجنوبية واليابان. وقد صعدت الصين بقوة في بناء السفن التجارية مستفيدة من طاقة صناعية ضخمة ودعم حكومي. أما كوريا الجنوبية فتعد مركزا متقدما لبناء ناقلات الغاز الطبيعي المسال.
رفعت الأزمات البحرية أجور الشحن والتأمين، وأدت إلى إطالة الرحلات أو تقليل المعروض الفعلي من الناقلات المتاحة. وأظهرت البيانات أن اضطرابات الشحن أخرجت نحو 7% من أسطول الناقلات العالمي من التداول.
في مضيق هرمز، قفزت أسعار الشحن على خط الخليج العربي – شرق آسيا، مما يعني أن ناقلة نفط عملاقة قد تحقق ملايين الدولارات في الرحلة الواحدة. كما استفادت شركات التأمين البحري من ارتفاع أقساط مخاطر الحرب لعبور مياه الخليج.
تشير خبيرة شؤون الطاقة إلى أن المستفيدين من ارتفاع أجور الشحن لم يكونوا جميع مالكي الناقلات بالضرورة. وقد أدى ارتفاع أقساط التأمين إلى تردد بعض الناقلات في دخول مضيق هرمز، مما أثر على حركة السفن.
نقل النفط والغاز يعتمد على شركات شحن بحرية متخصصة، حيث إن كثيرا من الدول المنتجة لا تمتلك أساطيلها الخاصة. وتوضح الخبيرة أن صناعة النقل البحري تمثل حلقة أساسية في سلسلة إمداد الطاقة، وأي اضطراب في مضيق هرمز يؤثر على كلفة النقل والتأمين.

