كشف تحديث تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي عن مشهد شديد الانقسام حيث تحالفت طفرة الاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي مع المكاسب الإنتاجية والتخفيضات الضريبية الأميركية لإنقاذ النمو العالمي عند 3 في المئة هذا العام بتراجع طفيف عن توقعاته السابقة. وأوضح التقرير أن هذه القفزات التكنولوجية تمتص جزءاً من صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز.
في المقابل، كان الثمن الإقليمي باهظاً وغير مسبوق، إذ دفع الإغلاق المطوّل لشريان الملاحة الخليجي بالصندوق إلى إجراء مراجعة تراجعية قاسية لاقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأشار التقرير إلى أن الاقتصاد في المنطقة هبط إلى دائرة الانكماش بنسبة 0.5 في المئة، مما يجعله أحد أسوأ الأداءات السنوية للمنطقة. وقد عانى كبار منتجي النفط من تراجع الإنتاج واضطراب الإمدادات اللوجستية.
برز الاقتصاد السعودي كأحد أكثر القوى تماسكاً، حيث رغم تعديل أرقامه هذا العام إلى 1.7 في المئة، رفع صندوق النقد توقعات نمو اقتصاد السعودية العام المقبل إلى 5.5 في المئة. وأكد التقرير أن هذا النمو يأتي مستنداً إلى مسارات بديلة تحمي الزخم الاقتصادي، في الوقت الذي تواجه فيه اقتصادات كالعراق والكويت وقطر انكماشاً مؤقتاً.
أحدثت التطورات العسكرية صدمة لوجستية عنيفة شلت حركة خمس النفط والغاز العالمي. ورغم أن إطلاق الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية والإنتاج التجاري خفف من حدة الأزمة، فإن الأسعار ظلت مرتفعة بنسبة 25 في المئة إلى 32 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. ونتيجة لذلك، رفع صندوق النقد توقعاته للتضخم العالمي.
يفترض السيناريو الأساسي الجديد لصندوق النقد الدولي أن مضيق هرمز سيبدأ في إعادة الفتح التدريجي، ومن المتوقع أن يعود لطبيعته بحلول عام 2027. وأكد التقرير أن الشرق الأوسط يسجل أسوأ أداء منذ مطلع القرن، حيث خفّض الصندوق تقديراته للمنطقة للمرة الثانية.
توقع الصندوق أن تواجه اقتصادات العراق والكويت وقطر انكماشاً حاداً هذا العام، يليه توسع قفزي ونمو ثنائي الرقم في عام 2027. بينما خفّض الصندوق توقعات نمو الاقتصاد التركي بضغط من ضعف الطلب المحلي وارتفاع أسعار الطاقة.
أما إيران، فرغم مرونة صادراتها النفطية، إلا أنها تعاني من انكماش حاد بسبب العقوبات. وفي قلب هذا الاضطراب، أظهرت المؤشرات الرسمية للمملكة العربية السعودية تماسكاً، حيث أكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد السعودي يعد أقل تأثراً بالصدمة مقارنة بجيرانه في الخليج.
أظهرت المادة التوثيقية للصندوق تبايناً في حظوظ القوى الكبرى بناءً على موقعها من طفرة التكنولوجيا ومصادر الطاقة. حيث حافظ الاقتصاد الأميركي على صلابته، بينما تلقت الصين دعماً موازناً من الإنفاق على الأشغال العامة. وفي المقابل، عانت دول منطقة اليورو من ارتفاع الأسعار.
ختاماً، حذر صندوق النقد الدولي من أن تجدد الصراع العسكري قد يضع الاقتصاد العالمي في موقف أسوأ، وأكد أن استنفاد الدول لاحتياطياتها النفطية الاستراتيجية سيقلص هوامش المناورة، مما يفتح الباب أمام تقلبات عنيفة.

