قفز تضخم اسعار المنتجين في الصين الى اعلى مستوياته منذ 4 سنوات في شهر يونيو الماضي. ما زاد من الضغوط على هوامش ارباح المصنعين في ظل ضعف الطلب المحلي الذي يحد من قدرتهم على تحديد الاسعار.
ويشهد الاقتصاد الصيني حالياً ديناميكية ثنائية المسار حيث تؤدي طفرة الصادرات العالمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي الى انتعاش قطاع التصنيع المتقدم، بينما يواصل ضعف الانفاق الاستهلاكي وتراجع الاستثمار والركود العقاري كبح النشاط المحلي.
اظهرت بيانات المكتب الوطني للاحصاء ان مؤشر اسعار المنتجين (PPI) ارتفع بنسبة 4.1 في المائة على اساس سنوي، مسجلاً اعلى مستوى له منذ يوليو، وهو ما تطابق مع توقعات استطلاع رأي اجريته وكالة رويترز، ليسجل الارتفاع صعوداً للشهر الرابع على التوالي. وكان المؤشر قد كسر سلسلة انكماش اسعار استمرت لسنوات في شهر مارس الماضي اثر قفزة اسعار الطاقة.
يعزى النمو المتسارع في اسعار السلع عند بوابة المصنع جزئياً الى انخفاض اساس المقارنة في العام السابق، رغم ان المحللين اشاروا الى ان ضعف الطلب المحلي يعني ان ضغوط انكماش الاسعار لم تنحسر بشكل ملموس بعد.
قال جوليان ايفانز بريتشارد، رئيس قسم الاقتصاد الصيني في مؤسسة كابيتال ايكونوميكس، ان "التصعيد الاخير في التوترات الاميركية الايرانية قد يفرض بعض الضغوط التصاعدية المتجددة على التضخم في المدى القريب، لكن هذا سيبقى محدوداً في قطاعات ضيقة، ومن المتوقع ان يعود التضخم الى ما يقارب الصفر بمجرد عودة امدادات الطاقة الى طبيعتها".
وفقاً للمكتب الوطني للاحصاء، كانت الارتفاعات في قطاعات تعدين الفحم والآلات الكهربائية والالكترونيات والمعادن الحديدية من بين العوامل الرئيسية المساهمة في زيادة اسعار المنتجين، بينما تراجعت الاسعار في قطاعات اخرى شملت المشروبات الكحولية وتصنيع السيارات.
وعلى اساس شهري، انخفض مؤشر اسعار المنتجين بنسبة 0.3 في المائة في يونيو وذلك في اعقاب الهبوط الحاد لأسعار النفط العالمية بعد اتفاق اميركي ايراني على وقف اطلاق النار. وفي المقابل، سجلت بعض الصناعات عالية التقنية والتحول الاخضر مثل معدات الواقع الافتراضي والاجهزة القابلة للارتداء مكاسب سعرية شهرية.
على الرغم من ان تحسن الاسعار قد عزز ارباح بعض قطاعات الانتاج الاولى والتكنولوجيا المتقدمة، فان المصنعين الاكثر اعتماداً على السوق المحلية يواجهون صعوبة كبيرة في نقل التكاليف المرتفعة الى المستهلكين، مما يسلط الضوء على العقبات التي تواجه صناع السياسات في جهودهم لدعم سوق العمل وتحفيز الطلب المحلي الذي لا يزال ضعيفاً.
تجلت الادلة على تراجع الطلب المحلي بوضوح في مبيعات السيارات الصينية، التي انخفضت للشهر التاسع على التوالي في يونيو، مما دفع شركات تصنيع السيارات الى التوجه نحو الاسواق الخارجية.
اظهرت البيانات الخاصة باسعار المستهلكين، التي صدرت بالتزامن مع مؤشر اسعار المنتجين، بعض التباطؤ حيث ارتفع مؤشر اسعار المستهلكين بنسبة 1.0 في المائة الشهر الماضي على اساس سنوي، متراجعاً من نمو بلغ 1.2 في المائة في مايو، وهو ما جاء دون التوقعات التي كانت تشير الى ارتفاع بنسبة 1.1 في المائة.
وعلى اساس شهري، تراجع مؤشر اسعار المستهلكين بنسبة 0.3 في المائة، مقارنة بتوقعات انخفاض بنسبة 0.2 في المائة وتراجع بنسبة 0.1 في المائة في مايو.
اما مؤشر اسعار المستهلكين الاساسي، الذي يستثني تكاليف الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 1.0 في المائة، وهي ابطأ وتيرة له منذ يناير.
قال لين سونغ، كبير اقتصاديي منطقة الصين الكبرى في بنك آي ان جي، ان "البيانات تتحرك من مرحلة قريبة من انكماش الاسعار الى تضخم ايجابي منخفض، هذا المستوى من التضخم ليس من المرجح ان يمنع بنك الشعب الصيني من اتخاذ اجراءات السياسة النقدية اذا رأى ذلك ضرورياً".
جددت الجهات التنظيمية للسوق في الصين حملتها ضد منافسة الانفولوشن حيث تمضي قدماً في حملة لكبح حروب الاسعار الشرسة التي غذت الضغوط الانكماشية.
قد ادت المنافسة المفرطة الى تقليص هوامش ارباح الشركات عبر قطاعات متعددة، بما في ذلك السيارات الكهربائية والالواح الشمسية وبطاريات الليثيوم والصلب والاسمنت وخدمات توصيل الطعام.
يرى المحللون ان التدخل الاقوى في السياسات يظل امراً ضرورياً لاعادة توازن الاقتصاد الذي يتسم بفائض في القدرة الانتاجية وضعف في الطلب المحلي، بينما سمحت طفرة الصادرات لصناع القرار بتأجيل اتخاذ تدابير تحفيزية اكثر حسماً.
قال جاو بنغ شينغ، كبير الخبراء الاستراتيجيين للشأن الصيني في مجموعة اي ان زد المصرفية، ان "الحملة المناهضة للمنافسة الهدامة وتأثيرات قاعدة المقارنة المنخفضة من شأنها ان تنعش التضخم مجدداً في الربع الاول من عام 2027". اضاف: "آفاق التضخم الحالية تتيح لصناع السياسات الحفاظ على صبرهم والابقاء على قرار خفض اسعار الفائدة قيد الانتظار خلال عام 2026".

