تسابق موسكو الزمن لترسيخ حضورها الاقتصادي في سوريا عبر إنشاء مركز لوجستي تجاري في ميناء طرطوس. وأكدت هذه الخطوة تحولاً في استراتيجيتها من النفوذ العسكري إلى توسيع حضورها الاقتصادي، وذلك بالتزامن مع مفاوضات تجريها مع دمشق بشأن مستقبل قاعدتيها العسكريتين في طرطوس وحميميم. وتأتي هذه التطورات وسط منافسة متزايدة مع الولايات المتحدة على عقود إعادة الإعمار والاستثمارات في البلاد.
وأوضح مسؤولون سوريون أن روسيا تأمل في تشغيل المركز اللوجستي التجاري في أحد رصيفي القاعدة البحرية في طرطوس بحلول منتصف يوليو، مع الإبقاء على وجود بحري في الرصيف الآخر. وسيستقبل المركز في مرحلته الأولى شحنات من القمح والحبوب والأعلاف والزيوت النباتية والأخشاب والصلب والفحم والسكر والزيوت المعدنية، حيث يستهدف تداول نحو 250 ألف طن شهرياً، تبدأ بشحنة حبوب تزن 30 ألف طن.
ويُعد المشروع محورياً في جهود موسكو للحفاظ على نفوذها في سوريا بعد الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد، حيث تسعى إلى تعويض تراجع نفوذها السياسي والعسكري بتوسيع حضورها التجاري والاستثماري. وتجري روسيا وسوريا حالياً مفاوضات بشأن مستقبل القاعدتين الروسيتين في طرطوس وحميميم، بعدما ألغت الحكومة السورية الجديدة عقداً مع شركة «ستروي ترانس غاز» الروسية لتطوير المرافق التجارية في ميناء طرطوس، قبل أن تمنح شركة موانئ دبي العالمية امتيازاً لإعادة تطوير وتشغيل الميناء.
وفي يونيو، أعلن مجلس الأعمال الروسي - السوري عن خطط لإنشاء مركز لتجميع وتوزيع البضائع الروسية في طرطوس، على أن تطوره شركة «روس لاين» السورية بالتعاون مع شركات روسية. وأشار المدير العام للشركة، أسامة عجاج، إلى أن المشروع سيُقام في الرصيف الرابع داخل منطقة مقيدة من القاعدة البحرية، بينما سيظل الرصيف الآخر مخصصاً للعمليات العسكرية الروسية. وذكر أن المشروع يستهدف إنشاء خط ملاحي منتظم بين ميناء نوفوروسيسك الروسي وطرطوس، لتوزيع البضائع داخل سوريا، ثم إلى العراق والأردن، ولاحقاً إلى السعودية والكويت وقطر والبحرين.
وأضاف عجاج أن المشروع سيُدار بالشراكة مع «صندوق سوريا السيادي»، مما يربطه مباشرة بأبرز ذراع استثمارية للدولة. وأكد أن المركز يستهدف في مرحلته الأولى مناولة نحو 250 ألف طن من البضائع شهرياً، حيث من المتوقع أن تنطلق عملياته في منتصف يوليو عبر استقبال أول شحنة حبوب تزن 30 ألف طن. وأوضح أن روسيا ستحتفظ بوجود عسكري مخفض في القاعدة، بالتوازي مع توسيع نشاطها التجاري واللوجستي.
وكشف عجاج إلى جانب مسؤولين في وزارة الخارجية السورية أن المشروع طُرح خلال اجتماع جمع الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واصفين ذلك اللقاء بأنه نقطة تحول في جهود إحياء التعاون الاقتصادي بين البلدين. وقالت جنان مبضع، الرئيسة التنفيذية لشركة «روس لاين»، إن المركز اللوجستي سيعمل من الرصيف رقم 4 في ميناء طرطوس.
وكانت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية قد أكدت أن موسكو ودمشق تبحثان إعادة صياغة الوجود العسكري الروسي في سوريا، مشيرة إلى أن التعاون بين البلدين يتطور بصورة نشطة. وتأتي هذه الخطوة في وقت أصبحت فيه روسيا المورد الرئيسي للقمح إلى سوريا، حيث تُشير وثائق جمركية سورية إلى أن نحو 85 في المئة من واردات القمح تأتي من روسيا وشبه جزيرة القرم.
كما ازدادت واردات النفط الخام الروسي بشكل ملحوظ. ويرى مراقبون أن إنشاء المركز اللوجستي سيتيح لموسكو الحفاظ على موطئ قدم اقتصادي دائم، حتى في حال تقليص وجودها العسكري، بفضل استمرار حضورها الفعلي في ميناء طرطوس وتعزيز دورها في سلاسل الإمداد الإقليمية. في المقابل، تراقب الولايات المتحدة المشروع عن كثب، حيث تسعى لتعزيز حضور الشركات الأميركية في مشروعات إعادة إعمار سوريا.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إنه يتم متابعة المشروعات التجارية المدعومة من روسيا في سوريا، معرباً عن قلقه من أن هذه المبادرات قد لا تسهم في تحقيق الاستقرار. وأضاف أن الولايات المتحدة تشجع دمشق على التعاون مع شركاء موثوقين، وخاصة الشركات الأميركية خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

