لم يكن التحول الذي شهدته قطر منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي مجرد طفرة نفطية أو غازية استفادت من ارتفاع أسعار الطاقة. بل مثَّل إعادة صياغة كاملة للنموذج الاقتصادي للدولة.
عندما تولى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم، كان الاقتصاد القطري محدود الحجم ويعتمد بصورة رئيسية على النفط. بينما كانت ثروة الغاز الهائلة في حقل الشمال لا تزال في بدايات استثمارها.
خلال أقل من عقدين، تحولت قطر إلى أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم. وصاحبة أحد أكبر الصناديق السيادية. وإحدى أعلى الدول دخلا للفرد. وهو تحول ارتبط بإستراتيجية اعتمدت على استثمار الثروة الطبيعية في بناء أصول إنتاجية ومؤسسات مالية وبنية تحتية ورأس مال بشري، أكثر من ارتباطه بارتفاع أسعار الطاقة وحده.
لم يبدأ التحول الاقتصادي مع توليه الحكم فقط. إذ سبق ذلك توليه رئاسة المجلس الأعلى للتخطيط، وهو الجهة المسؤولة آنذاك عن رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة. ما أتاح له الإشراف على إعداد برامج التنمية قبل وصوله إلى الحكم.
مع إعلان وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، يعود الحديث عن الإرث الاقتصادي الذي أسهم في نقل قطر من اقتصاد خليجي صغير إلى لاعب رئيسي ومؤثر في أسواق الطاقة والاستثمار العالمية.
شكل تطوير حقل الشمال، أكبر حقل منفرد للغاز الطبيعي في العالم، نقطة الانطلاق الحقيقية للتحول الاقتصادي في قطر. وقد أدى قرار تسريع الاستثمار وتوسيع مشروعات تسييل الغاز خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي إلى تغيير مكانة البلاد في سوق الطاقة والدفع بها نحو الريادة العالمية.
تشير وكالة بلومبيرغ إلى أن قطر انتقلت من تصدير أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال عام 1996 إلى أن أصبحت خلال أقل من 15 عاماً أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم. بينما ارتفعت الطاقة الإنتاجية إلى 77 مليون طن سنويا بحلول عام 2010.
لم يقتصر أثر هذه الطفرة على زيادة الإيرادات، بل رسخت موقع قطر بوصفها شريكا إستراتيجيا في أمن الطاقة العالمي، خاصة لاقتصادات آسيا وأوروبا.
تعكس بيانات الديوان الأميري القطري حجم التحول الذي شهده قطاع الطاقة. إذ ارتفعت القيمة المضافة لقطاع الهيدروكربونات من 11 مليار ريال قطري إلى 403 مليارات ريال خلال فترة حكم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وهو ما جعل القطاع المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي وتمويل مشاريع التنمية. كما ارتفع الناتج المحلي للفرد بنحو 6 مرات خلال هذه الفترة.
انعكست طفرة الغاز مباشرة على أداء الاقتصاد. فوفق بيانات البنك الدولي، نما الاقتصاد القطري بـ24 ضعفا خلال عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. ليرتفع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 8 مليارات دولار إلى حوالي 199 مليار دولار.
كما سجل الاقتصاد، بحسب صندوق النقد الدولي، معدلات نمو هي الأعلى عالميا خلال تلك الفترة. إذ بلغ النمو الحقيقي 28% عام 2006. وظل عند مستويات مرتفعة مع دخول مشروعات جديدة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال الخدمة.
بفضل هذا الأداء، تحولت قطر إلى واحدة من أسرع الاقتصادات نموا في العالم خلال العقد الأول من الألفية.
لكن التحول الاقتصادي لم يتوقف عند زيادة الإنتاج أو الإيرادات. بل امتد إلى كيفية إدارة الثروة.
وفي إطار بناء منظومة لإدارة الفوائض المالية، أنشأت قطر في أكتوبر/تشرين الأول 2001 "المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار" وتولى سموه رئاسته. ليشرف بصفة عامة على شؤون الاقتصاد والطاقة والاستثمار. من أجل تنويع الاستثمارات المحلية والخارجية بغرض تطوير احتياطيات قطر المالية وتنويع مصادر الدخل.
وفي عام 2005، أنشأت قطر جهاز قطر للاستثمار لإدارة الفوائض المالية المتأتية من صادرات النفط والغاز.
تبنى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني سياسة تقوم على تخصيص جزء من عائدات الطاقة للاستثمار طويل الأجل. بهدف بناء مصادر دخل مستدامة تتجاوز الموارد الطبيعية.
وسرعان ما تحول الجهاز إلى أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم. مستفيدا من الأزمة المالية العالمية عام 2008 لشراء أصول بأسعار منخفضة.
امتدت السياسات الاستثمارية القطرية لتشمل جميع قارات العالم تقريبا. من الاستثمار في أندية كرة القدم إلى مؤسسات اقتصادية عالمية.
وتقدر أصول الجهاز اليوم بأكثر من 500 مليار دولار. ما يجعله من أكبر المستثمرين الحكوميين عالميا.
انعكس النمو الاقتصادي على مؤشرات الرفاه. فبحسب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أصبحت قطر خلال تلك الفترة من بين أعلى دول العالم في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. متجاوزة 90 ألف دولار وفق تعادل القوة الشرائية.
يرى خبراء أن ارتفاع الدخل لم يكن نتيجة زيادة أسعار الطاقة فقط. بل جاء أيضا بفعل التوسع في الاستثمار الحكومي وخلق فرص العمل المرتبطة بمشروعات الطاقة والبنية التحتية.
بالتوازي مع الاستثمار في الطاقة، اتجهت قطر إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة.
وكان من أوائل القرارات التنموية بعد تولي الأمير الوالد الحكم إنشاء مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع في أغسطس/آب 1995. لتكون الذراع الرئيسة للاستثمار في التعليم والبحث العلمي والابتكار.
كما شهد القطاع الصحي توسعا ملحوظا عبر تطوير مؤسسة حمد الطبية وإنشاء مستشفيات ومراكز تخصصية جديدة. في إطار تحسين جودة الخدمات العامة ومواكبة النمو السكاني.
لم تقتصر عائدات الغاز على تمويل الموازنة. بل تحولت إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية.
فشهدت تلك المرحلة إطلاق مشاريع مثل مطار حمد الدولي وميناء حمد ومدينة لوسيل وشبكات الطرق الحديثة. إلى جانب المشروعات التي شكلت لاحقًا أساس مترو الدوحة.
أسهمت هذه المشروعات في تحويل الدوحة من مدينة خليجية صغيرة إلى مركز حضري عالمي. كما وفرت الأساس الذي مكن قطر من الفوز بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022.
وعقب فوز البلاد باحتضان المونديال شهد قطاع البنية التحتية والإنشاءات في البلاد طفرة كبيرة من خلال اعتماد الدوحة خطط إنفاق ضخم فاقت 200 مليار دولار في قطاع البنية التحتية.
وفي عام 2008، أطلقت الدولة رؤية قطر الوطنية 2030. التي هدفت إلى التحول نحو اقتصاد معرفي قادر على تحقيق التنمية المستدامة وضمان استمرار الرفاه للأجيال المقبلة.
وتعد هذه الرؤية التعبير عن توجه بدأ في عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يقوم على تحويل الثروة الطبيعية إلى قاعدة لتنمية مستدامة.
تشير وكالة الأناضول إلى أن الانفتاح الاقتصادي الذي شهدته البلاد خلال تلك المرحلة جعل الدوحة مركزا متزايد الأهمية للمؤتمرات الاقتصادية والاستثمارية الدولية.
وإذا كان تطوير صناعة الغاز يمثل نقطة الانطلاق في التحول الاقتصادي القطري، فإن الإرث الأبرز للشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يتمثل في تحويل العائدات الاستثنائية للطاقة إلى أدوات تنموية طويلة الأجل.
فمن خلال بناء مؤسسات مثل المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار وجهاز قطر للاستثمار. وإطلاق رؤية قطر الوطنية 2030. والاستثمار في التعليم والبنية التحتية. انتقلت قطر من اقتصاد يعتمد على تصدير النفط إلى نموذج يجمع بين قوة الطاقة والنفوذ الاستثماري العالمي.

