اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

إغلاق مضيق باب المندب يهدد التجارة العالمية وأمن الطاقة

{title}

تعيد التطورات السياسية والأمنية الجارية في مضيق هرمز وفي اليمن إلى الواجهة احتمال تصعيد التوترات العسكرية لتطال مضيق باب المندب واحتمال إقدام الحوثيين على إغلاقه كورقة ضغط في الصراع السياسي والعسكري.

أعلنت وزارة الدفاع اليمنية استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع طائرة إيرانية من الهبوط. في حين اتهمت جماعة أنصار الله الحوثيون السعودية بشن غارات جوية على المطار. وتوعدت بالرد على القصف.

في سياق متصل، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن بلاده ستعيد الحصار البحري على إيران عقب انهيار وقف إطلاق النار الموقع بين الطرفين. وأضاف ترمب أن أمريكا ستمنع سفن إيران وعملائها من استخدام مضيق هرمز. وأكد أن واشنطن ستصبح "الحارسة لمضيق هرمز".

تشير هذه التطورات إلى مخاطر امتداد التعطيل الحاصل حاليا في مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب. وقد سبق لإيران وللحوثيين أن هددا في وقت سابق بإغلاق باب المندب.

يُعَد مضيق باب المندب أحد العقد الاقتصادية الحيوية في العالم. ولا يقل تأثيره عن أي قوة عسكرية في الصراعات الإقليمية والدولية.

يربط المضيق، الذي يبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 30 كيلومترا، بين اليمن في آسيا وكل من جيبوتي وإريتريا في أفريقيا. ويعمل حلقة أساسية تربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، وصولا إلى قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط.

تمر عبر المضيق يوميا كميات ضخمة من النفط تتراوح بين 7 و10 ملايين برميل. كما يشكّل طريقا رئيسيا لنحو 12% إلى 15% من التجارة العالمية المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والأسواق الآسيوية. ويؤمّن نحو 25% من حاجات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال.

تُقدَّر حركة السفن عبر المضيق بنحو 21 ألف سفينة سنويا، أي ما يعادل 57 سفينة يوميا، بقيمة شحنات تصل إلى نحو 700 مليار دولار سنويا.

وأي تعطيل للمضيق، خصوصا إذا تزامن مع توقف مضيق هرمز، قد يؤدي إلى أزمة نقل عالمية تضاعف زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا من 31 إلى 41 يوما. وترفع تكلفة الرحلة لسفينة حاويات متوسطة من مليون دولار إلى نحو 1.7 مليون دولار، دون احتساب مصاريف إضافية كأجور الطواقم والوقود وأقساط التأمين.

يرى خبير أسواق النفط والطاقة عامر الشوبكي أن الحوثيين رغم عدم قدرتهم على فرض إغلاق عسكري كامل لمضيق باب المندب، إلا أنهم أثبتوا قدرتهم على جعله غير آمن تجاريا. وهي نتيجة قريبة جدا من الإغلاق.

نفذ الحوثيون أكثر من 100 هجوم على السفن، وأجبروا شركات كبرى على تغيير مسارها في السنوات القليلة الماضية. وانخفضت تدفقات النفط عبر المضيق من تقريباً 9 ملايين برميل في عام 2023 إلى 4 ملايين برميل في عام 2024.

انعكس هذا الوضع في مضيق باب المندب بصورة مباشرة على قناة السويس. إذ هبطت إيراداتها من 10.2 مليارات دولار إلى قرابة 4 مليارات. وانخفض عدد السفن العابرة للقناة أيضا من أكثر من 26 ألف سفينة إلى نحو 13 ألف فقط، وهو ما حرم مصر من أحد أهم مصادرها من العملة الصعبة وزاد الضغط على الموازنة وسعر صرف الجنيه.

يقدر الخبير النفطي أن الخطورة الأكبر تظهر عندما يجتمع التهديدان: مضيق هرمز وباب المندب. فبعد تعطيل هرمز عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، استخدمت السعودية أنبوب خط "شرق-غرب" لنقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع غربا على سواحل البحر الأحمر. ومن ثم ينقل النفط السعودي إلى الأسواق الدولية ولا سيما الآسيوية منها.

أوضح الشوبكي أن طاقة خط "شرق-غرب" قد تصل إلى 7 ملايين برميل يوميا. ولكن خلال ذروة الأزمة في الأسابيع الماضية رُصد تقريبا 4.7 ملايين برميل، كانت نصفها تذهب إلى الصين وحدها.

النفط الخارج من ميناء ينبع إلى آسيا يحتاج إلى عبور باب المندب. بينما يستطيع النفط المتجه إلى أوروبا التوجه شمالا نحو السويس. ومن هنا تصبح ورقة الحوثيين بإغلاق باب المندب قادرة على تهديد أحد أهم البدائل التي استخدمتها السعودية لتجاوز هرمز وهو خط أنبوب النفط شرق-غرب.

يقول الشوبكي إن الصين ستكون في مقدمة المتضررين إذا أغلق مضيق باب المندب، لأنها تحتاج إلى الطاقة الخليجية والسعودية على وجه الخصوص. وفي الوقت ذاته تعتمد تجارة الصين مع أوروبا على طريق البحر الأحمر والسويس.

كما أن المسار البديل الذي اعتمدته السعودية لضمان استمرار صادراتها النفطية بعيدا عن هرمز سيتعرض للخطر. بينما ستواجه مصر خسارة إضافية في إيرادات قناة السويس.

تأتي هذه التطورات بعد أن قالت شركات شحن عالمية إنها بدأت تفكر بعودة تدريجية للبحر الأحمر والسويس. ولكن هذه الأحداث قد تدفع باتجاه تأخير عودة الملاحة إلى تلك المنطقة.

يخلص الشوبكي إلى أن اجتماع التهديدين (إغلاق هرمز وباب المندب) يوسع دائرة الحرب ويستدعي ترتيبات بحرية دولية أكبر. لأن مصالح مصر والسعودية وأوروبا والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ستصبح في قلب الأزمة.

وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فإن إعادة توجيه السفن من مضيق باب المندب إلى رأس الرجاء الصالح زادت الطلب العالمي على السفن بنسبة 3% وعلى سفن الحاويات بنسبة 12% حتى منتصف 2024. مما يعكس الضغط المتزايد على الطاقة الاستيعابية للموانئ العالمية وارتفاع أسعار الشحن.

أشارت خبيرة شؤون الطاقة إلى أن التأثير الأكبر لإغلاق المضيق لا يقتصر على النفط والغاز بل يمتد إلى سلاسل الإمداد الأخرى. إذ يؤدي التضييق على باب المندب إلى إطالة زمن وصول البضائع من آسيا إلى أوروبا بمعدل 15 إلى 20 يوما إضافيا، ويزيد تكلفة النقل ويضع ضغوطا على اقتصادات الدول المجاورة.

تحذر التقارير من أن مجرد التهديد المستمر بإغلاق المضيق قد يشل التجارة العالمية، إذ يؤدي ارتفاع أقساط التأمين وتغيير تقديرات الأخطار لدى شركات الملاحة إلى تحويل السفن لمسارات أطول، مما يرفع الأسعار ويؤثر في الإمدادات والسلع الأساسية قبل حدوث أي اعتداء فعلي على المضيق.

مضيق باب المندب ليس مجرد نقطة جغرافية، بل هو شريان حيوي للطاقة والتجارة العالمية. وأي تهديد لإغلاقه يُترجَم مباشرة إلى صدمات اقتصادية عالمية تتجاوز النفط لتشمل كل قطاعات النقل والإمداد والتجارة الدولية.