غادر أجداد حسن بورجي بلدة قانا في جنوب لبنان إلى كوت ديفوار بحثا عن فرصة أفضل للحياة، ولم يكن في بالهم أن أبنائهم سيؤسسون شركة تكنولوجيا مالية تخدم ملايين المستخدمين بعد أكثر من ثمانية عقود.
تحولت رحلة الهجرة التي بدأت مع الجيل الأول إلى قصة نجاح يقودها اليوم الحفيد، الشريك المؤسس والمدير التنفيذي لتطبيق "دجامو" (Djamo)، الذي أصبح أحد أسرع تطبيقات الخدمات المالية الرقمية نموا في غرب افريقيا، مما يعكس الدور المتنامي لرواد الأعمال المنحدرين من أصول لبنانية في اقتصاد القارة الأفريقية.
ولد حسن بورجي وعاش في كوت ديفوار، حيث تشرب من ثقافتها وتفاصيلها اليومية حتى أصبحت هويته مزيجا فريدا بين أفريقيا وأوروبا. على الرغم من الاستقرار الذي يوفره المهجر، إلا أن الرابط الوجداني ببلد الأرز لم يضعف عبر الأجيال. ويقول بورجي: "اسمي حسن بورجي، ولدت وعشت في كوت ديفوار طوال حياتي. أنا الآن أمثل الجيل الثالث الذي استقر في هذا البلد، ونحمل الهوية الإيفوارية ولكن بجذور وأصول لبنانية راسخة لا نتخلى عنها".
هذا التمسك بالهوية ليس مجرد شعارات، بل ممارسة حية، حيث حافظت العائلة على تقليد سنوي بزيارة لبنان كل صيف لتفقد الأقارب وتجديد الانتماء. يشير بورجي إلى ميزة فريدة في الشخصية اللبنانية المغتربة، قائلا: "إذا نظرت إلى اللبنانيين حول العالم، ستجدهم جميعا مختلفين بشكل مدهش. السر في ذلك هو القدرة الهائلة على التكيف والاندماج الكامل في الثقافات المحلية".
تأتي قصة نجاح حسن بورجي في ظل مشهد مأساوي يمر به الجنوب اللبناني، حيث تقبع بلدتا "قانا" و"عيتا الشعب" تحت وطأة دمار هائل ونزوح قسري جراء الحرب الحالية. يعبر بورجي عن مشاعره تجاه هذا الواقع قائلا: "نحن مستاءون للغاية ومفطورو القلوب مما يحدث في لبنان. كان من المفترض أن نذهب هذا العام في عطلتنا الصيفية، لكن خططنا ألغيت بسبب الحرب. أنا حزين للغاية لرؤية الأبرياء الذين قُتلوا والمئات من المشردين".
يضيف بورجي: "من المؤلم أن نرى بلدا يمتلك إمكانات هائلة كلبنان، يعجز أبناؤه عن بناء مستقبل مستقر. أعداد هائلة من الشباب يغادرون لبنان مجبرين بسبب الأوضاع غير المستقرة". وفي سياق تقديم المساعدة، يوضح بورجي: "نحاول تقديم كل الدعم المالي الممكن لعائلتنا وأقاربنا الذين اختاروا البقاء في لبنان".
استخدم حسن بورجي جينات التكيف التي ساعدت الأجداد في النجاح التجاري التقليدي، واستثمرها في التكنولوجيا والابتكار الرقمي. بعد دراسته في فرنسا وعمله في قطاع الاستشارات، رصد فجوة اقتصادية واجتماعية في كوت ديفوار، حيث تعاني نسبة تتجاوز 80% من السكان من تهميش مالي.
في عام 2020، أطلق حسن بورجي بالتعاون مع شريكه الإيفواري "راديس لابي" تطبيق "دجامو"، والذي لم يكن مجرد مشروع تجاري، بل كان مهمة إنسانية تهدف إلى تحقيق الشمول المالي، حيث أتاح التطبيق للشباب والطلاب فتح حساب مالي والحصول على بطاقة "فيزا" خلال دقائق وبأقل التكاليف.
في عام 2021، أصبح تطبيق "دجامو" أول شركة ناشئة من كوت ديفوار تُقبل في حاضنة الأعمال العالمية (Y Combinator) في وادي السيليكون. وخلال خمس سنوات، تحول المشروع إلى صرح مالي يضم أكثر من 300 موظف ويقدم خدماته لأكثر من مليوني عميل. يفتخر بورجي بهذا الإنجاز قائلا: "نحن نعيش حقبة جديدة من الابتكار في القارة الأفريقية، ونحن في دجامو نقود هذا التحول بكل ثقة".
رغم النجاح المليوني، لا يرى بورجي نفسه منفصلا عن شباب وطنه الأم، ويؤكد أهمية بناء المشاريع في لبنان، قائلا: "رسالتي هي: إذا سُدت الأبواب، فالمغادرة ليست نهاية المطاف، بل هي امتداد لتاريخنا. حاولوا تأسيس مشاريعكم في لبنان، لأن طاقات الشباب المبتكرة هي الرافعة الوحيدة لمساعدة البلد على النهوض".

