اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

فك لغز رسالة مشفرة على واجهة مبنى في سان خوسيه

{title}

في مايو، كانت أربع دوائر مضيئة تتحرك في أنماط متكررة فوق مقر شركة "أدوبي" بمدينة سان خوسيه في وادي السليكون بولاية كاليفورنيا الأمريكية. كثيرون مروا أسفل المبنى ورأوا الأضواء يوميا لكن أحدا لم يكن يعرف أن هذه الأشكال لم تكن مجرد عمل فني بل رسالة رقمية مشفرة تنتظر من يفك رموزها.

هذا الربيع، نجح مهندس البرمجيات الأمريكي براين فينسنت في حل اللغز بعد تحليل طويل لأنماط الحركة. ليكتشف أن الإشارات لم تكن تمثل نصا أو صوتا بل صورة رقمية لوردة مأخوذة من لوحة "ميلاد فينوس" الشهيرة للفنان الإيطالي ساندرو بوتيتشيلي.

يحمل المشروع اسم "سان خوسيه سيمافور"، وهو عمل فني صممه الفنان الأمريكي بن روبين. ويستند إلى فكرة "السيمافور"، وهو نظام قديم للاتصالات البصرية يعتمد على أوضاع الإشارات لنقل المعلومات.

ووفقا لشركة أدوبي، يتكون النظام من أربع دوائر مضيئة يمكن لكل واحدة منها أن تتخذ أربع وضعيات مختلفة: عمودية، وأفقية، ومائلة في اتجاهين. وعند جمع أوضاع الدوائر الأربع تتولد 256 تركيبة ممكنة، أي ما يعادل "بايتا" واحدا من البيانات الرقمية. ثم تنتقل المنظومة إلى تركيبة جديدة كل 7.2 ثانية، لتبث جزءا جديدا من الرسالة عبر الضوء والحركة.

وبعد تحليل آلاف الإشارات، توصل فينسنت إلى أن البيانات هذه المرة لا تمثل حروفا أو أصواتا بل قيما لونية مرتبطة ببكسلات صورة رقمية. ومع إعادة ترتيبها ظهرت النتيجة النهائية: وردة واحدة من لوحة "ميلاد فينوس".

ووصف فينسنت اللغز بأنه "مثالي" من حيث مستوى الصعوبة، إذ يبدو بسيطا لمن ينظر إلى الأشكال من بعيد لكنه يتطلب كثيرا من التحليل حتى تتحول تلك الحركات الضوئية إلى صورة مفهومة.

لم يكن هذا أول لغز يرسله العمل الفني، فقد بدأ مشروع "سان خوسيه سيمافور" عام 2006. وكانت رسالته الأولى النص الكامل لرواية (The Crying of Lot 49) للكاتب الأمريكي توماس بنشون في صورة مشفرة. وتمكن باحثان من فكها بعد أشهر من التحليل.

أما الرسالة الثانية فكانت تسجيلا صوتيا لعبارة رائد الفضاء نيل آرمسترونغ الشهيرة عند هبوطه على سطح القمر: "خطوة صغيرة للإنسان.. قفزة عملاقة للبشرية". وقد نجح معلم رياضيات من ولاية تينيسي في فك شفرتها بعد سنوات من بثها.

أما الرسالة الثالثة التي كُشف عنها هذا العام، فكانت الوردة المستخرجة من لوحة بوتيتشيلي. ويكشف تسلسل هذه الرسائل أن المشروع لا يقتصر على عرض بصري ثابت، بل يقوم على فكرة تحويل واجهة المبنى إلى مساحة تبث محتوى ثقافيا وفنيا مشفرا، مرة في صورة رواية ومرة تسجيلا تاريخيا ومرة عملا فنيا، بحيث لا يكتمل العمل إلا عندما ينجح أحد في قراءة ما تخفيه الإشارات.

تكشف قصة "سان خوسيه سيمافور" كيف يمكن لعمل فني أن يجمع بين الفن والتقنية والتشفير في تجربة واحدة. فما يبدو للمارة مجرد دوائر مضيئة تتحرك فوق مبنى، يخفي في الواقع بيانات رقمية لا يظهر معناها إلا بعد تحليلها وإعادة بنائها. وأعلنت أدوبي أنها تستعد لإطلاق لغز جديد ضمن المشروع، على أن يحصل أول من ينجح في فك شفرته على اشتراك لمدة عامين في خدمة (Adobe Creative Cloud). وتبقى قصة الوردة مثالا على كيف يمكن لواجهة مبنى أن تتحول إلى مساحة تجمع بين الفن والبرمجة والفضول الإنساني، لا مجرد عنصر جمالي في الفضاء العام.