تتسارع الشراكة الاقتصادية بين السعودية وكندا نحو مرحلة جديدة ونوعية، حيث دشّن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، حقبة استراتيجية جديدة مرتكزة على القطاعات النوعية والمستقبلية خلال جلسة مباحثات رسمية عُقدت في "قصر السلام" بجدة. جاء هذا الزخم السياسي ليتوَّج بتوقيع 15 اتفاقية ومذكرة تفاهم في "ملتقى الاستثمار السعودي - الكندي"، مما يضع مساراً أوسع لتعاون يترجم الرغبة المشتركة بين الجانبين في استمراره.
وفي هذا الإطار، تتجه الأنظار اليوم نحو قطاع التعدين والمعادن الحرجة كأول المستفيدين من هذه الشراكة، مدفوعاً بامتلاك البلدين مزايا تكاملية فريدة تجمع بين وفرة الموارد والخبرات الهندسية الكندية العريقة، والقدرات الصناعية والاستثمارية الضخمة للمملكة لإطلاق ثرواتها المعدنية غير المستغلة والمقدّرة بنحو 2.5 تريليون دولار. يُتوقع أن يقود هذا القطاع التعديني العوائد المبكرة للاتفاقيات الأخيرة، قبل أن تمتد آثاره إلى قطاعات الطاقة والتقنية المتقدمة ومراكز البيانات، مما يعزز سلاسل القيمة ويخلق فرص استثمارية وصناعية ذات بعد عالمي.
لضمان تحويل هذه التفاهمات من "مذكرات إطارية" إلى "مشروعات قائمة"، أفصح رئيس "مجلس الأعمال السعودي - الكندي"، محمد ناصر آل دليم، عن وجود اتفاقيات جديدة سيتم الإعلان عنها في الوقت المناسب، مشيراً إلى متابعة دقيقة لما وُقّع عليه بين الجانبين. وأوضح أن هناك حراكاً واسعاً بين الجانبين وخطة لتبادل الوفود التجارية بين السعودية وكندا، ولقاءات دورية بين الشركات خلال العام الحالي، وأن هذه اللقاءات ستستمر في العام المقبل.
يتوافق ذلك مع ما أعلنه وزير الطاقة والموارد الطبيعية الكندي، تيم هودجسون، الذي أكد أن تعميق التعاون مع السعودية - الشريك التجاري الأكبر لكندا في المنطقة - يمثل ركيزة أساسية ضمن استراتيجية أوتاوا لتحفيز 500 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة ومضاعفة صادراتها غير الأميركية خلال العقد المقبل.
وقعت شركة الهندسة الكندية العالمية "هاتش" بداية العام اتفاقية استراتيجية مع شركة "معادن" السعودية بقيمة تصل إلى 700 مليون دولار لتطوير محفظة مشروعاتها في الذهب والفوسفات والألمنيوم. كما أُعلن عن شراكة نوعية بين شركة "نورثرن غرافيت" الكندية ومجموعة "العبيكان للاستثمار" السعودية لإنشاء مصنع متطور لمعالجة مواد أنود البطاريات داخل المملكة، في خطوة رئيسية نحو تأمين وتنويع سلاسل إمداد طاقة المستقبل النظيفة.
رجّح آل دليم أن يتصدر قطاع التعدين والمعادن الحرجة المشهد كعمود فقري لهذه الشراكة، التي تسير وفق معادلة استراتيجية تتمثل في: "كندا تُورّد، والسعودية تُحوّل، والعالم يستفيد". وأضاف أن هذا المحور الحيوي ستتبعه قطاعات الطاقة والتقنية المتقدمة ومراكز البيانات، مشدداً على أن هذه المنظومة تمثل قطاعات متكاملة تخدم الأهداف المستقبلية المشتركة.
أكد آل دليم أن أولويات "المجلس" بعد ملتقى جدة واضحة، تتمثل في تحويل الاتفاقيات الـ15 من مذكرات إلى مشروعات قائمة، وقد اعتمد آلية متابعة تنفيذية لكل اتفاقية تشمل جدولاً زمنياً ومؤشرات قياس تُراجَع دورياً. وسيصدر تقرير متابعة خلال الفترة المقبلة.
تطرق رئيس "المجلس" إلى النمو الكبير في ميزان التبادل التجاري قائلاً: "نحن واثقون بأنه سيتجاوز مستوياته السابقة خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بالزخم السياسي والاقتصادي الذي أحدثه الملتقى الأخير وزيارة رئيس الوزراء الكندي."
بشأن دور "المجلس" في المرحلة المقبلة، أوضح أن دوره التنظيمي هو أن يكون حلقة الوصل بين المستثمرين والجهات الحكومية في البلدين، وأن فرق العمل القطاعية في "المجلس" تؤدي دوراً فعالاً في متابعة الشراكات وتذليل أي تحديات. وقد فتح "ملتقى الاستثمار السعودي الكندي" الشهية لتعزيز هذا المسار والبحث عن الفرص الواعدة في الاقتصاد السعودي، الذي وصل إلى نحو 1.3 تريليون دولار، مع تجاوز الأنشطة غير النفطية نسبة 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
استكشف الجانبان خلال "الملتقى" الفرص الاستثمارية، وحدد المستثمرون القطاعات المستهدفة، سواء ما أُعلن عنه أو ما يجري التفاوض بشأنه، والتي تشمل "الخدمات المالية، والتعدين، والصناعات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والتعليم، والابتكار".

