لم يكن استخدام الإنترنت في بداياته يتطلب أكثر من متصفح وبعض الصبر. فإذا أراد المستخدم حجز رحلة، تنقل بين عدة مواقع للمقارنة. وإذا احتاج إلى معلومة بحث عنها بنفسه. وفي كل خطوة ظل الإنسان هو من يبحث ويختار وينفذ.
ثم تغير المشهد مع صعود المنصات الرقمية. إذ لم تعد المنافسة تدور حول تقديم الخدمة الأفضل فحسب، بل حول جذب انتباه المستخدم وإبقائه أطول وقت ممكن داخل التطبيق. وأصبح وقت الشاشة ومعدلات التفاعل من أهم مؤشرات النجاح في الاقتصاد الرقمي. بينما صُممت الخوارزميات لتجعل العودة إلى المنصة عادة يومية.
واليوم يبدو أن صناعة الذكاء الاصطناعي تدفع هذا المنطق إلى مرحلة جديدة. فبدلا من التنافس على جذب انتباه المستخدم، تتسابق الشركات إلى تطوير وكلاء أذكياء قادرين على تنفيذ المهام نيابة عنه، كقراءة الرسائل الإلكترونية وتنظيم المواعيد والتسوق. ولم يعد الهدف أن يجيب الذكاء الاصطناعي عن سؤال، بل أن يصبح الواجهة التي يبدأ منها المستخدم يومه الرقمي.
لم تعد فكرة أن يصبح الذكاء الاصطناعي المساعد الشخصي الذي يدير جانبا كبيرا من الحياة الرقمية مجرد تصور مستقبلي تتنافس الشركات على الترويج له، بل بدأت تظهر بوصفها هدفا عمليا في إستراتيجيات بعض الشركات.
فقد كشفت وثائق داخلية اطلع عليها موقع "ميديا 404" أن "مايكروسوفت" تخطط لأن يكون الهدف الأساسي من مساعدها الجديد "سكوت" (Scout) بناء اعتماد المستخدمين عليه تدريجيا، عبر إستراتيجية تبدأ بتشجيع الاستخدام اليومي، ثم توسيع قدراته وربطه بمنظومة أوسع من الأدوات والخدمات، بما يجعله حاضرا في تفاصيل العمل اليومي للمستخدم.
ولا تقف هذه الرؤية عند "مايكروسوفت". إذ ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز"، نقلا عن مصادر مطلعة، أن "ميتا" تطور هي الأخرى مساعدا متقدما من فئة الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI)، قادرا على تنفيذ المهام واتخاذ المبادرات نيابة عن المستخدمين، مع استهداف شريحة واسعة من مستخدمي منصاتها.
ورغم اختلاف المنتجات التي تعمل عليها الشركتان، فإن الاتجاه العام يبدو متقاربا. إذ لم يعد التنافس يقتصر على تطوير نماذج لغوية أكثر قدرة، بل على بناء وكلاء أذكياء يصبحون نقطة الدخول الرئيسية إلى الخدمات الرقمية، بحيث يعتمد عليهم المستخدم بصورة متزايدة في إدارة تفاعلاته اليومية مع العالم الرقمي.
ويشير ذلك إلى تحول تدريجي في طبيعة المنافسة داخل قطاع الذكاء الاصطناعي. فبعد أن كان نجاح المنصات الرقمية خلال العقدين الماضيين يقاس بقدرتها على جذب المستخدم وإبقائه داخل التطبيق، أصبح الرهان اليوم يدور حول مدى قدرة الوكيل الذكي على أن يصبح الأداة التي يعتمد عليها المستخدم لإنجاز أعماله اليومية، وهو تحول قد يعيد رسم العلاقة بين المستخدم وشركات التكنولوجيا والخدمات الرقمية.
غير أن هذا التحول لا يغير فقط طبيعة المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي، بل يغير أيضا طبيعة العلاقة بين المستخدم والأنظمة الذكية. فكلما اتسعت المهام التي من المفروض أن ينفذها الوكيل، ازداد احتياجه إلى الوصول إلى البريد الإلكتروني، والتقويم، والملفات، وسجل التصفح، وغيرها من البيانات والخدمات الرقمية التي يعتمد عليها المستخدم في حياته اليومية. وهنا لا يعود التحدي مقتصرا على تطوير نموذج أكثر ذكاء، بل يمتد إلى كيفية إدارة هذه الصلاحيات والبيانات بصورة آمنة.
لكن كلما أصبح الوكيل الذكي أكثر حضورا في تفاصيل الحياة اليومية، ازدادت كلفة الاستغناء عنه. وهو ما يثير تساؤلات حول إمكانية تحول الاعتماد التدريجي إلى شكل جديد من الارتهان الرقمي. فكلما تراكمت البيانات والتفضيلات وسجل التفاعلات داخل منظومة واحدة، أصبح الانتقال إلى مزود آخر أكثر تعقيدا، سواء بالنسبة للمستخدمين أو للمؤسسات.
ويرى الخبراء أن الحد من هذا الخطر لا يتحقق برفض الوكلاء الأذكياء، وإنما ببناء منظومة متكاملة من الضمانات التقنية والتنظيمية. ويشيرون إلى أن أول الضمانات يتمثل في تعزيز قابلية التشغيل البيني بين المنصات، بما يتيح للمستخدم نقل بياناته وتفضيلاته وسجل تفاعلاته بسهولة من وكيل إلى آخر، إلى جانب دعم النماذج مفتوحة المصدر، بما يوسع الخيارات المتاحة ويحد من هيمنة عدد محدود من الشركات على هذا السوق.
ويؤكد الخبراء أن هذه الضمانات ينبغي أن تترافق مع أطر تنظيمية تكفل شفافية القرارات التي تتخذها الوكلاء الأذكياء، وتضمن للمستخدم حق التحكم ببياناته ونقلها بين الخدمات المختلفة، حتى لا يتحول النموذج الذي تراهن عليه شركات الذكاء الاصطناعي اليوم إلى وسيلة لترسيخ الاحتكار الرقمي، بدلا من أن يكون أداة تمنح المستخدم مزيدا من الكفاءة والمرونة.

