يفتح اتفاق التعاون النووي السلمي بين السعودية والولايات المتحدة آفاقا جديدة للشراكة الاقتصادية والتقنية بين البلدين، حيث تتجاوز آثاره مجرد بناء المفاعلات وتوليد الكهرباء لتشمل توطين صناعات ذات قيمة مضافة عالية وبناء قدرات بشرية متخصصة. وأكد محللون أن هذا الاتفاق يمثل رافعة للاستثمارات الصناعية والتكنولوجية في المملكة، بما يتماشى مع خطط تنويع مزيج الطاقة وتطوير اقتصاد قائم على المعرفة، مع تعزيز الأبعاد الاستراتيجية والجيوسياسية في ظل التنافس الدولي المحتدم على تقنيات الطاقة النووية.
كشف وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان ونظيره الأميركي كريس رايت عن توقيع اتفاق للتعاون النووي السلمي المعروف بـ«اتفاق 123»، بالإضافة إلى اتفاق ثنائي للضمانات. وأوضحت وزارة الطاقة الأميركية أن هذا التوقيع يؤسس قانونيا لشراكة تمتد لعقود وتفتح المجال أمام الشركات الأميركية للمشاركة في برنامج الطاقة النووية السعودي، علما بأن اتفاقات «123» تشكل الإطار القانوني المعتمد بموجب قانون الطاقة الذرية الأميركي لنقل المواد والتكنولوجيا النووية.
أوضح عباس داهوك، المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية، أن الاتفاق يعد محطة استراتيجية مهمة في العلاقات بين الرياض وواشنطن، مبينا أنه سيعزز التعاون في مجالات التقنيات المتقدمة وأمن الطاقة على المدى الطويل. وأضاف داهوك أن الاتفاق قادر على استقطاب استثمارات بمليارات الدولارات وخلق وظائف نوعية تدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030، مشيرا إلى أن المكاسب تشمل تطبيقات في تحلية المياه، الرعاية الصحية، البحث العلمي، والزراعة، إلى جانب تطوير قوى عاملة متخصصة في الهندسة والعلوم.
أظهر داهوك أن الاتفاق يضع دعائم تعاون يمتد لعقود في مجالات التكنولوجيا والتعليم والتنمية الصناعية، مع إمكانية انعكاس الخبرات النووية على قطاعات ناشئة مثل الفضاء، المواد المتقدمة، والذكاء الاصطناعي. وأشار إلى أن قضية التخصيب من وجهة نظر الرياض ترتبط بالسيادة التكنولوجية والاستقلالية الاستراتيجية، خاصة مع امتلاك المملكة موارد محلية من اليورانيوم وتطلعها لتطوير الاستفادة منها مستقبلا.
قال الدكتور إريك إتش فينغ، الرئيس التنفيذي لشركة «سكاي تاور غروب»، إن الاتفاق يمثل محطة استراتيجية تاريخية تتجاوز نطاق الطاقة المدنية لتصل إلى تعزيز الأمن الإقليمي وتوفير إطار طويل الأمد للاستقرار. وأضاف فينغ أن توطين صناعات مثل الهندسة النووية، الروبوتات، وأنظمة التحكم الرقمي سيساهم في دعم التوسع الصناعي للمملكة، مبينا أن الاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية تشمل أيضا التشخيص الطبي وعلاج السرطان بالنظائر المشعة والفحص الصناعي المتقدم.
اختتم فينغ حديثه موضحا أن الأثر الاستراتيجي لهذا التعاون يكمن في قدرته على تأسيس شراكة مؤسسية تحفز تدفقات الاستثمار الدولي، حيث إن منطقة الشرق الأوسط التي تحظى بدعم تعاون استراتيجي قوي بين الولايات المتحدة والسعودية ستكون أكثر جذبا للتنمية الصناعية والبنية التحتية من الجيل الجديد.

