أظهرت السياسات التي اتبعتها الحكومة في إدارة الدين العام تحولاً مهماً في الحد من كلفته، مما أسهم في توفير مساحة مالية ساعدت على توجيه الموارد المتاحة نحو أولويات الإنفاق العام، وفي مقدمتها الخدمات الأساسية والمشروعات التنموية. ويعكس هذا التحول جهود الحكومة في كبح نمو فاتورة فوائد القروض الداخلية والخارجية، بما يخفف الضغوط على الموازنة العامة ويوفر مجالاً أوسع لإعادة توجيه الموارد نحو أولويات ذات أثر مباشر في حياة المواطنين.
وقال مدير عام جمعية البنوك الأردنية الدكتور ماهر المحروق إن انخفاض كلفة خدمة الدين العام يمثل تطوراً إيجابياً في إدارة المديونية، نتيجة انخفاض أسعار الفائدة وإعادة تمويل بعض الالتزامات بتكاليف أقل، إلى جانب التوجه نحو المؤسسات الدولية والعربية التي توفر تمويلاً بشروط وفوائد أفضل. وأوضح المحروق أن أهمية انخفاض كلفة خدمة الدين لا تقتصر على قيمة الفوائد التي يتم توفيرها، وإنما تمتد إلى أثرها على مخصصات الموازنة، إذ يتيح هذا الانخفاض للحكومة إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتوجيه المخصصات نحو النفقات الرأسمالية والاستثمارية.
وبين المحروق أن الوفر يمكن أن يوجه إلى مشاريع واستثمارات ترفع الإنتاجية وتدعم النشاط الاقتصادي وتخلق فرص عمل، مشيراً إلى أن الاستثمار قد يحقق أثراً تراكمياً يتجاوز قيمة الوفر المباشر. وتراجعت الزيادة السنوية في فوائد القروض الداخلية والخارجية بشكل ملحوظ، حيث انخفض معدل نمو فاتورة الفوائد من 22.6 بالمئة إلى 4.2 بالمئة، ما يعني أن الموارد الإضافية التي تحتاجها الخزينة سنوياً لمواجهة ارتفاع كلفة الدين أصبحت أقل.
من جانبه، قال الخبير المصرفي مفلح عقل إن انخفاض كلفة خدمة الدين يعكس تحسناً في إدارة المديونية، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين خدمة الدين وحجم الدين نفسه، موضحاً أن تراجع الفوائد لا يعني تلقائياً انخفاض أصل المديونية. وأشار عقل إلى أن الحكومة استفادت من التوجه نحو المؤسسات الدولية والعربية التي توفر تمويلاً بشروط أفضل، مبيناً أن هذا النهج يخفف كلفة الاقتراض مقارنة بالاعتماد على الأسواق التجارية.
وأضاف عقل أن الوفر الناتج عن انخفاض كلفة الخدمة يمكن أن يعاد توجيهه ضمن الموازنة إلى النفقات الرأسمالية والاستثمارية، بما في ذلك المشاريع التي تعزز الإنتاجية، محذراً في الوقت ذاته من أن استخدامه في زيادة الإنفاق الممول بالاقتراض قد يعيد إنتاج مشكلة المديونية. وفيما يتعلق باستحقاق اليوروبوند، أكد عقل أهمية الاستعداد المبكر واختيار مصدر التمويل الأقل كلفة.
وأكد أستاذ المالية في جامعة آل البيت الدكتور عمر الغرايبة أن إدارة الدين العام في الأردن لم تعد تتعلق بحجم المديونية فقط، وإنما بكلفة خدمتها وكيفية إدارتها دون أن تزاحم الإنفاق التنموي. وأضاف الغرايبة أن هذا التراجع الحاد في وتيرة ارتفاع الكلفة يمثل مؤشراً مهماً على تحسن إدارة الدين، خصوصاً مع إعادة هيكلة بعض الالتزامات وإطالة آجالها.
وأوضح الغرايبة أن الاختبار الحقيقي يكمن في كيفية توظيف المساحة المالية التي يحررها انخفاض كلفة خدمة الدين، مؤكداً أن توجيه هذه الوفورات نحو الإنفاق الرأسمالي والمشاريع الإنتاجية يمكن أن يحول إدارة الدين من أداة لتقليل الكلفة إلى أداة لدعم النمو وخدمة المواطنين. واختتم مبيناً أن الأولوية ينبغي أن تكون لتوجيه الموارد المتاحة نحو البنية التحتية الإنتاجية، خصوصاً المياه والطاقة والنقل والرقمنة، بما يرفع الإنتاجية ويخفض كلف الاستيراد.

