تتحرك الصين في مسارين متوازيين لتعزيز متانة اقتصادها المحلي، حيث تعمل على توسيع أدوات تمويل الزراعة والمناطق الريفية من جهة، وضخ رؤوس أموال جديدة في شركات التأمين والبنوك الحكومية من جهة أخرى. وأظهر هذا النهج سعي بكين لاستخدام أدوات مالية متنوعة لتحقيق أهداف استراتيجية تشمل الأمن الغذائي وتنشيط الاستثمار ودعم سوق الأسهم.
وكشفت السلطات الصينية عن خطة طموحة تهدف إلى بناء نظام أكثر استدامة وكفاءة لتمويل تنمية الريف، يجمع بين الإنفاق الحكومي والائتمان المصرفي والتأمين والسندات ورأس المال الخاص. وأوضحت الخطة أن الزراعة والمناطق الريفية باتت تحتل موقعاً متقدماً ضمن أولويات الموازنة العامة، مع زيادة الدعم الموجه للمناطق الرئيسية المنتجة للحبوب.
وبينت التحليلات أن هذا التوجه يكتسب أهمية كبرى بالنظر إلى اعتبار الأمن الغذائي جزءاً جوهرياً من الأمن الاقتصادي الصيني في ظل التقلبات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. ولا تقتصر الخطة على دعم المزارعين فحسب، بل تسعى لتشييد شبكة تمويل متكاملة تغطي البنية التحتية والإنتاج الزراعي والتكنولوجيا والخدمات العامة.
وأضافت التقارير أن الحكومات المحلية ستحصل على صلاحيات لاستخدام حصيلة السندات الخاصة والعامة لتمويل مشروعات البنية التحتية الريفية والتنمية الصناعية. كما ستعمل البنوك على زيادة الإقراض للمقاطعات المنتجة للحبوب، مع توسيع نطاق الأصول التي يمكن استخدامها كضمانات للتمويل لتشمل الثروة الحيوانية والآلات الزراعية.
وأوضحت بكين نيتها توسيع نطاق التأمين الزراعي ليشمل تغطية كاملة للتكاليف للمحاصيل الأساسية مثل الأرز والقمح والذرة، مع تحسين آليات تقاسم المخاطر لخفض التكلفة التمويلية. وتطمح الحكومة إلى استقطاب رأس المال الخاص عبر صناديق إنعاش المناطق الريفية وإدراج الشركات الزراعية في أسواق المال.
وبالتوازي مع ذلك، كشفت السلطات عن تحركات لتعزيز قدرة النظام المالي على دعم أسواق رأس المال، حيث أعلنت خمس شركات تأمين وثلاثة بنوك حكومية خططاً لجمع نحو 53.6 مليار دولار عبر عمليات ضخ لرأس المال. وأوضحت وزارة المالية الصينية أنها ستصدر سندات خاصة بقيمة 300 مليار يوان لتمويل هذه العملية، وهي المرة الأولى التي تُستخدم فيها هذه الأداة لإعادة رسملة شركات التأمين.
وقال خبراء اقتصاديون إن ضخ رأس المال الحكومي يهدف إلى زيادة قدرة شركات التأمين على ضخ استثمارات طويلة الأجل في سوق الأسهم وتخفيف الضغوط على نسب الملاءة المالية. وأشار محللون إلى أن هذه الخطوة تُعد وسيلة غير مباشرة لدعم الأسواق المالية وتوفير قاعدة رأسمالية أقوى للمؤسسات الكبرى.
وختاماً، تظهر هذه التحركات تحولاً تدريجياً في السياسة الاقتصادية الصينية من التحفيز المباشر واسع النطاق إلى بناء قنوات تمويل مستدامة تربط بين الدولة والمصارف وأسواق رأس المال، بهدف تحويل السيولة إلى استثمارات منتجة تحقق عوائد طويلة الأجل.

