في أسواق الطاقة، لا يظهر أن عام 2026 بدأ بالتوتر الذي توحي به العناوين السياسية. قال خبراء إن أسعار النفط واصلت تجاهل الاضطراب، مستقرة قرب أدنى مستوياتها في خمس سنوات. وأوضح التقرير من بلومبيرغ أن هذا السلوك يعكس وفرة المعروض العالمي بقدر ما يعكس حسابات سياسية واقعية.
وأضاف التقرير أن الأسواق، التي اعتادت تسعير المخاطر الجيوسياسية سريعا، باتت أكثر تركيزا على التدفقات الفعلية والإنتاج والمخزونات. موضحا أن واشنطن تُوازن بين التصعيد الخارجي ورغبتها في إبقاء أسعار الوقود منخفضة. والنتيجة حتى الآن سوق نفطية تفصل بوضوح بين الدراما السياسية وحركة الأسعار.
كشفت بلومبيرغ أن خام برنت ظل قريبا من أدنى مستوى له في خمس سنوات، رغم أن العام لم يمض عليه سوى أسابيع وشهد بالفعل تطورات استثنائية في دولتين من بين الأغنى نفطيا في العالم.
وفرة المعروض تكبح صدمة الجغرافيا السياسية
في فنزويلا، حيث تقع أكبر احتياطات خام مؤكدة عالميا، تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل مباشر، مع سعي أميركي للسيطرة على قطاع النفط. وفي إيران، ثالث أكبر دولة من حيث الاحتياطات، تصاعدت الاحتجاجات الشعبية إلى مستوى "يهدد بقاء النظام" حسب وصف بلومبيرغ.
وبرغم ذلك، تقول بلومبيرغ إن السوق "لم تر حتى الآن أي دليل على أن التدفقات العالمية ستتأثر بشكل ملموس"، في ظل تخمة معروض عالمي تُبقي الأسعار مكبوحة. وأشارت إلى أن الأسواق اعتادت الأزمات الإيرانية، إذ تمكنت طهران خلال فترات سابقة من الحفاظ على تدفق صادراتها رغم العقوبات والاضطرابات.
وفق التقرير، ينقل خبير أسواق النفط المخضرم فريدون فشراكي قوله إن "أي انقطاع محتمل في الإمدادات سيكون مؤقتا"، مع ضعف احتمال فقدان كميات كبيرة من الخام لفترة طويلة.
إيران.. اضطراب سياسي وتأثير نفطي محدود
في تقرير موازٍ، تُقدَّر حصة إيران الحالية بنحو 3% فقط من الإمدادات العالمية، بإنتاج يقارب 3.3 ملايين برميل يوميا، مقارنة بذروة تجاوزت 10% من الإنتاج العالمي في منتصف سبعينيات القرن الماضي. وذكر التقرير أن نحو 90% من الصادرات الإيرانية تتجه إلى الصين عبر شبكات تجارة "معتمة" وبخصومات حادة.
وفي الحالة الفنزويلية، يسود تشكك واسع حول قدرة البلاد على إعادة بناء إنتاجها النفطي على المدى الطويل، بعد سنوات من تدهور البنية التحتية. ومع ذلك، تراهن السوق على أن مصلحة ترامب في أسعار وقود منخفضة ستدفعه إلى إبقاء الإمدادات متدفقة في المدى القريب.
كما انعكس ذلك على ارتفاع أسهم شركات تكرير أميركية على ساحل الخليج، في حين تراجعت بعض أسعار المنتجات النفطية. وتشير بيانات نقلها التقرير إلى أن نحو 140 مليون برميل من الخام الفنزويلي مرت عبر المصافي الأميركية عام 2025، أي ما يعادل 0.8% من إجمالي طاقة التكرير في البلاد.
فنزويلا.. تدخل أميركي ومكاسب انتقائية
ويبقى القلق الأكبر مرتبطا باحتمال اتساع الاضطرابات في إيران إلى تهديد مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 16.5 مليون برميل يوميا، أي قرابة ربع تجارة النفط المنقول بحرا عالميا. ويحذر التقرير من أن أي إغلاق فعلي للمضيق قد يهدد صادرات المنطقة.
ومع ذلك، تؤكد بلومبيرغ أن الأسعار بقيت محصورة حول أوائل الـ60 دولارا لبرميل برنت، وهو مستوى قريب من قيعان عام 2021. ووصلت بلومبيرغ إلى أن ما يجري في إيران وفنزويلا، رغم ثقله الجيوسياسي، لم يتحول بعد إلى أزمة إمدادات حقيقية.
فالتجار يراقبون، لكنهم غير مستعدين للمراهنة على نقص وشيك، في وقت تُبقي فيه الوفرة العالمية، وحسابات السياسة الأميركية، أسعار النفط بمنأى عن الارتفاعات الحادة التي طبعت أزمات سابقة.







