تشهد موازين القوى في قطاع التكنولوجيا تحولا دراماتيكيا. قال محللون إن المعطيات الراهنة تشير إلى أن الصين لم تعد مجرد ملاحق في سباق الذكاء الاصطناعي، بل باتت تقترب من حسم "السباق الأهم في القرن الحادي والعشرين". أضافوا أن التفوق التقني لواشنطن في النماذج الأولية لم يمنع الصين من تحقيق تقدم ملحوظ.
وأوضح الخبراء أن استراتيجية بكين القائمة على "الانتشار والسيادة المادية" بدأت تؤتي ثمارها. وقد بدأ التحول الفعلي قبل عام من الآن، عندما أطلقت شركة "ديب سيك" الصينية نموذجا لغويا كبيرا فائق الأداء بتكلفة منخفضة مقارنة بشركات وادي السيليكون مثل "أوبن إيه آي" و"غوغل". وأشاروا إلى أن هذا لم يكن مجرد طفرة تقنية بل كان إعلانا عن فلسفة صينية جديدة.
كما يُنظر اليوم إلى سباق الذكاء الاصطناعي كماراثون طويل النفس وليس مجرد سباق سرعة. وبينما تركز الولايات المتحدة على بناء أقوى النماذج اللغوية مدعومة برقائق "إنفيديا" المتطورة، تركز الصين على التغلب على العقبات التقنية ودمج الذكاء الاصطناعي في صلب اقتصادها الحقيقي.
تحديات الذكاء الاصطناعي في الصين
تشير التحليلات إلى أن الولايات المتحدة لطالما اعتمدت على تفوقها في أجهزة الحوسبة المتقدمة. لكن القيود على التصدير لم تمنع الشركات الصينية مثل "علي بابا" و"مون شوت" من تضييق فجوة الأداء، وذلك بفضل كفاءة الخوارزميات وجودة البيانات. وبينما أثبتت الصين أن النماذج الأصغر والأكثر ذكاء يمكن أن تضاهي النماذج الأميركية العملاقة، فإنها تسعى لإيجاد حلول مبتكرة.
أما على صعيد القوى البشرية، فقد تجاوزت الصين الولايات المتحدة بمراحل، حيث منحت في عام 2022 أكثر من 50% من شهادات الدكتوراه في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. كما سجل باحثوها ثلاثة أضعاف براءات الاختراع في الذكاء الاصطناعي، مما يخلق قاعدة معرفية يصعب كسرها.
وتكمن نقطة القوة الرئيسة للصين في مفهوم "الذكاء الاصطناعي المجسّد". حيث تبرع الصين في وضع "العقل" الاصطناعي داخل "جسد" مادي، سواء كان روبوتا في مصنع أو سيارة ذاتية القيادة. كما تمتلك الصين الريادة العالمية في عدد الروبوتات الصناعية المثبتة لكل موظف.
استراتيجية الصين في الطاقة والابتكار
تشير تقارير "غولدمان ساكس" إلى أن الصين قد تمتلك في عام 2030 فائضا في قدرة توليد الكهرباء يعادل ثلاثة أضعاف الطلب العالمي المتوقع لمراكز البيانات. ويعزز ذلك تفوقها اللوجستي في تشغيل مراكز الحوسبة الضخمة، حتى مع استخدام رقائق أقل كفاءة.
على الصعيد الدولي، تسعى بكين لاتباع استراتيجية "القوة الناعمة التقنية" من خلال النماذج مفتوحة المصدر. وتتيح هذه النماذج المجانية للمطورين في الأسواق الناشئة بناء أنظمتهم الخاصة، بعيدا عن الهيمنة السحابية الأميركية. ومن خلال شركات مثل "هواوي"، تضع الصين المعايير التقنية المستقبلية.
في المجمل، تبدو الولايات المتحدة كعداء سريع يمتلك أفضل المعدات، بينما تبدو الصين ككتلة اقتصادية متكاملة تبني نظاما بيئيا شاملا. فالهيمنة التقنية في السنوات المقبلة لن تقاس فقط بأذكى نموذج لغوي، بل بمن يستطيع دمج هذا الذكاء في المنتجات والخدمات اليومية.







